من أشهر الشهادات التاريخية حول حيل الحرب النفسية، والشخص المقصود هو يوري بيزمينوف ، المعروف أيضاً باسمه المستعار "توماس شومان"، وهو ضابط وصحفي سابق في وكالة الاستخبارات السوفيتية (KGB) انشق وهرب إلى الغرب.

​في مقابلاته الشهيرة في ثمانينيات القرن الماضي، شرح بيزمينوف أن العمل الاستخباراتي لا يقتصر على التجسس التقليدي، بل يرتكز بنسبة 85% منه على ما يسمى "التخريب الأيديولوجي" أو "الحرب النفسية"، بهدف تغيير إدراك الواقع لدى الشعوب.

​هذه العملية تنقسم إلى أربع مراحل أساسية، والمرحلة الأولى أخطرها وهو مايهمنا

في تحليله الدقيق لكيفية تنفيذ المرحلة الأولى (إحباط المعنويات وزعزعة القيم)

ركز يوري بيزمينوف بشكل خاص على ثلاثة ركائز أساسية لأي مجتمع: التعليم، والدين، والأخلاق.

​شرح بيزمينوف أن الهدف لم يكن "تدمير" هذه الركائز فجأة، بل "إعادة توجيهها" ببطء لتؤدي عكس وظيفتها تماماً، بحيث يساهم المجتمع في تدمير نفسه بنفسه.

إليك تفصيل ما قاله عن كل ركيزة:

​1. التعليم: استبدال المعرفة بالأيديولوجيا

أشار بيزمينوف إلى أن قطاع التعليم هو الملعب الأهم في هذه الاستراتيجية، لأن السيطرة عليه تعني تشكيل عقول الجيل القائم والقادم.

​تحويل الانتباه عن العلوم الحقيقية: قال إن الخطة تعتمد على تشتيت الطلاب بعيداً عن المواد الأساسية والنافعة (مثل الرياضيات، العلوم الدقيقة، اللغات، والقرارات المنطقية)، وإغراقهم في دراسة موضوعات هامشية أو صراعات اجتماعية وجندرية مصطنعة. ​تزييف التاريخ والمفاهيم: يتم تكييف المناهج لتعليم الطلاب الشعور بالذنب تجاه تاريخهم، وثقافتهم، وإنجازات أجدادهم، مما ينتج جيلاً يكره مجتمعه ويرى فيه عيوباً فقط. ​تخريج عقول غير قادرة على التفكير النقدي: الهدف النهائي في التعليم هو إلغاء مهارة "التفكير النقدي"، بحيث يتخرج الطالب وهو يحمل شهادة دبلوم أو جامعة، لكنه عاجز عن ربط الأسباب بالنتائج، ويصبح مستهلكاً سهلاً للشعارات العاطفية دون تمحيص.

​2. الدين: تسييس الإيمان وإفراغه من روحه

لم يقل بيزمينوف إن الاستخبارات السوفيتية حاولت إلغاء الدين في المجتمعات المستهدفة (لأن المنع المباشر يولد رد فعل عكسي قوي)، بل شرح كيف يتم تفكيك الدين من الداخل:

​إحلال الطقوس محل الجوهر: العمل على تحويل الدين من منهج حياة وقيم أخلاقية ضابطة للسلوك، إلى مجرد شعارات، وطقوس مظهرية، أو نوادٍ اجتماعية تفتقر إلى التأثير الحقيقي على حركة المجتمع. ​اختراق المؤسسات الدينية: تحدث عن زرع أو دعم شخصيات دينية تتبنى أفكاراً تخدم التفرقة أو تروج للاتكالية والاستسلام، أو تشرعن الأفكار الدخيلة التي تضعف البنية الاجتماعية. ​صناعة الطوائف والفرق: تشجيع وتضخيم جماعات دينية هامشية أو متطرفة لإحداث انقسامات عميقة داخل الدين الواحد، مما ينفر العقلاء والشباب من المنظومة الدينية برمتها، ويدفعهم نحو الإلحاد أو العدمية. ​3. الأخلاق: تدمير العلاقات العائلية والاجتماعية

​الأخلاق بالنسبة لبيزمينوف هي "اللاصق" الذي يبقي المجتمع متماسكاً، وعند ضربها يتفكك المجتمع تلقائياً.

٣.​تفكيك الأسرة: أكد أن الخطة تسعى جاهدة لكسر الرابطة الأسرية، عبر تشجيع الأبناء على التمرد التام على الآباء، واستهجان القيم العائلية التقليدية، وإحلال "الدولة" أو "الأيديولوجيا المنفتحة" بدلاً من توجيه الوالدين. ​قلب الموازين الأخلاقية: تصبح السلوكيات التي كانت تُصنف كـ "انحراف" أو "فساد أخلاقي" تُعرض في الإعلام والسينما على أنها "حرية شخصية" و"تقدم"، وفي المقابل، يتم السخرية من القيم المحافظة مثل العفة، الشرف، والمسؤولية، وتصويرها كأفكار "رجعية ومتخلفة". ​إذكاء الفردية المطلقة: دفع أفراد المجتمع نحو النزعة الاستهلاكية والفردية الشديدة (أنا ومن بعدي الطوفان)، مما يقتل قيمة "التكافل الاجتماعي" أو الرغبة في التضحية من أجل الصالح العام.

​خلاصة فكرته:

كان بيزمينوف يردد دائماً أن المجتمع الذي يتم تخريبه في هذه المجالات الثلاثة، يصل إلى مرحلة تسمى "النسبية الأخلاقية والمعرفية"؛ حيث لا يوجد خطأ مطلق ولا صواب مطلق، ولا حق ولا باطل. وعندما يفقد المجتمع بوصلته التعليمية، والدينية، والأخلاقية، يسقط كالثمرة الناضجة في يد أي قوة تريد السيطرة عليه دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.