الإنحياز الذي لا مفر منه

من الصعب أن يكون الإنسان موضوعيًا بالكامل؛ فوعي كل فرد يتشكّل من خبراته، ثقافته، تجاربه، وبيئته، لذلك نحمل معنا تحيّزات قد لا ندركها دائمًا. حتى العلم، رغم حياده النظري والمنهجي، قد يتأثر في تطبيقه بالمصالح والاتجاهات السائدة، لأنه في النهاية يُمارس عن طريق بشر. ومع ذلك، يسعى المنهج العلمي لتقليل هذه التحيزات قدر الإمكان.

البشر غالبًا ما يشعرون بالتهديد تجاه الأفكار التي تتناقض مع معتقداتهم، حتى لو لم تكن هجومًا مباشرًا عليهم. كثيرًا ما نواجه هذا عند اختلافنا مع شخص ما، ليس لأن أفكارنا هوجمت، بل لأن معتقداتنا تمنحنا إحساسًا بالأمان. ولهذا السبب قد ينزعج البعض من الأطفال، لأن أسئلتهم المباشرة تكشف أمورًا اعتدنا قبولها بلا تفكير، وغالبًا ما يظهرون نوعًا من التفكير النقدي الفطري، رغم أن خبرتهم محدودة مقارنة بالكبار.

الأفكار قد تتحول إلى أدوات للتحكم والتقييد عندما تُعامل كحقائق مطلقة فوق الإنسان. عبر التاريخ، اندلعت صراعات كثيرة عندما استُخدمت الأفكار لتبرير مصالح سياسية أو اقتصادية أو لفرض النفوذ، وليس دائمًا بسبب “الأفكار نفسها”. حتى لو كانت الفكرة مثالية تمامًا، فإن تطرف الإنسان فيها يجعلها عبئًا وتهديدًا حقيقيًا.

لكن في النهاية، يبقى الإنسان أهم من الفكرة؛ لأنه حي ويتنفس، فالأفكار غالبًا وُجدت من خلاله، وليست هي من أنتجت الإنسان. وعندما يفقد البشر إنسانيتهم بفعل الأفكار، عندها يجب أن نتوقف قليلًا ونعيد التفكير في صحة تلك الأفكار.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

بما أننا نتحدث عن الإنسان وعن الإنتاج الإنساني، فنحن نتحدث عن التحيز بالضرورة، مع الأسف الموضوعية هي مجرد شعار رنان نتداوله في سياقات معينة لكي نعطي أنفسنا الوجاهة العلمية ، بينما في العمق لا يوجد امكانية تامة لأنفصال عن الذاتية ، لا يوجد عقل منفصل عن صاحبه ولا معرفة خالية من سياقات نفسية ةاجتماعية معينة، حتى العلم نفسه لا يخرج من هذا المنطق؛ فهو نتاج بشر، ومؤسسات، وتمويلات، وثقافات، لا قوانين رياضية فقط، الموضوعية قيمة ممكنة نسبيا وفي حدود جد ضيقة.