المقامات الصوتية وفن الإحساس بها
المقامات ليست مجرد أنغامٍ محفوظة أو قواعدٍ صماء، بل هي نبض القلب حين يتكلم، وصوت الروح حين يترجم ما تعجز الكلمات عن وصفه. المقام ليس علمًا يُدرَّس في المدارس أو مادةً يتلقاها الطلاب في الفصول، وإنما هو هبة من الله يضعها في قلوب من يشاء، فيجعل أصواتهم بابًا للتأثير ووسيلةً لإيقاظ المشاعر.
الإنسان لا يتعلم المقامات فقط عبر التكرار أو السماع، بل من خلال المواقف التي تصوغ وجدانه. فالحزن الذي يترك ندبة في القلب هو نفسه الذي يمنح الصوت القدرة على أداء مقام الصبا بصدقٍ يلامس الأرواح. والخشية العميقة حين يستشعر المرء عظمة الله هي التي تخرج في مقام الحجاز فتجعل المستمعين يذوبون خشوعًا. أما لحظات الأمل والفرح، فهي التي تُنبت في الصوت مقام العجم أو الرست، فيشرق الأمل بين الحروف كما يشرق الفجر بعد ظلام طويل.
ليس كل إنسان قادرًا على أداء المقام، لأن الأمر يتطلب إحساسًا مرهفًا، قلبًا يعرف كيف يتألم وكيف يفرح، وكيف يُترجم المشاعر إلى نغماتٍ صادقة. الصوت وحده لا يكفي، فلا جمال للنغمة بلا إحساس، ولا أثر للمقام بلا صدق.
إن أعظم ما يميز المقامات أنها لغة إنسانية عالمية؛ يفهمها العربي والأعجمي، الكبير والصغير، حتى من لا يعرف معنى الكلمات. لأن الصوت الصادق يتجاوز الأذن ليطرق باب القلب مباشرة.
وهكذا تبقى المقامات عطيةً من الله، لا تُشترى ولا تُلقّن، وإنما تُوهب وتُصقل بالتجربة والتأمل والإخلاص. هي الفن الذي لا يُتقنه إلا من عاش الحياة بعمق، وحوّل آلامه وآماله إلى نغمات تفتح أبواب السماء.
بقلم: سليم فاروقي
"ومن وهبه الله المقام، فقد وهبه وسيلة ليكون صوته جسرًا بين الأرض والسماء."
التعليقات