تحليل الفن يقتله أم الفهم العميق يزيده جمالًا؟

يصف لنا الشاعر الإنجليزي جون كيتس في قصيدة Lamia (لمياء) معضلة تداخل العلم والفلسفة مع الفن والجمال؛ يقرر كيتس أن دراسة علم الجمال هي شيء ضار، لأنها تجمد اهتمامنا بالفن، وتقضي على حيوية الأعمال الفنية وروعتها، يقول:

ألا يفر كل ما هو خلاب هارباً...بلمسة مجردة من الفلسفة الباردة؟

يتحدث كيتس باسم الكثيرين الذين يرون أننا لو حللنا الفن وحاسبناه على كل صغيرة وكبيرة، لجعلنا منه شيئاً جامداً، ونزعنا عنه روح الحياة والنشوة المثيرة للخيال، كمن يقتل شخصاً لكي يقوم بتشريحه.

كما أننا لو توقفنا لكي نفكر ونحلل تجربتنا لتذوق الفن، وحاولنا أن نفهم كل العناصر التي تؤلف تلك التجربة، لكان في ذلك خنق للشعور والإحساس الطبيعي والتلقائي.

فهل توافق الشاعر في رأيه أن التحليل النقدي للفن يسلبه جماله وسحره الفطري أم أنه يمنحنا فهمًا أعمق يزيد من قيمته؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شخصيا أعتقد أن الفن في جوهره تجربة شعورية، وليس معادلة رياضية تحتاج إلى تفكيك وتحليل. عندما نضع الفن تحت المجهر النقدي، نحوله إلى كتل من التقنيات والأساليب بدلًا من كونه شعورًا يُحس ويُعاش. الجمال لا يحتاج إلى تفسير، بل إلى تذوق

rana_512 أضف ردا

ليس تفسير في حد ذاته يا كريم ولكن حكم. كيف سنحكم على جودة العمل أو قيمته أو أهميته بدون أن نحلله وننتقده؟ لو تركنا الأعمال الفنية بدون معايير لسمحنا بكل الفواحش والشذوذ والانحرافات الفكرية والاخلاقية تقتحم الفن هذا إلى جانب أنها قائمة بالفعل في كثير من المجتمعات تحت ستار حرية التعبير فكيف لو رفعنا معيار التحليل او النقد!

ليس النقد الفني هو العامل الوحيد المتحكم في الفن الجيّد فوجود منصات التواصل أباح للجميع أن يقدموا فنونهم، فيمكن للجميع أن يصنعوا الموسيقى ويغنوا بأصواتهم لكن من ينجح فيهم سيعتمد على ذوق الجمهور الذي لن يوقفه النقد الفني في كل الأحوال.

و تركنا الأعمال الفنية بدون معايير لسمحنا بكل الفواحش والشذوذ والانحرافات الفكرية

هذه الحجة تهمل جانب هام وهو التمييز الفطري في الإنسان، وهي شبيهه بأن نقول لو لم تكن هناك قوانين جنائية لاغتال الجميع بعضهم البعض بدون ندم.

بأن نقول لو لم تكن هناك قوانين جنائية لاغتال الجميع بعضهم البعض بدون ندم.

وأنت لا تعتقد ذلك جورج؟! بالتأكيد ليس الجميع ولكن أعداد كبيرة جدا من البشر من يحجمها هو الخوف من القانون والعقوبات ولولاهم لسعوا في الأرض فسادا وخرابا.

وجود القوانين الجنائية والفنية لا يضمن حسن تصرف الإنسان والفنان يا رنا.

من الممكن للإنسان أن لا يخرق القانون ويوقع ضرر بأخيه الإنسان في نفس الوقت، كما يمكن للفنان أن يلتزم بقوانين الفن ويخرج لنا عمل يخلو من الجودة الفنية ويكون أقرب للقبح رغم اتباعه للقوانين.

كما وجدت أعمال فنية غاية في الروعة قبل ظهور المقاييس والقوانين الفنية، يشهد على ذلك أعمال النحت الأثرية، وأعمال الرسم والأعمال الأدبية التي وصلت إلينا عبر الفنانين على مدى التاريخ.

ألا تعتقدي أن الانتخاب الجمالي الطبيعي سيحتم على الفنان التصرف بطريقة فنية معينة داخل إطار المجتمع الفني؟

هذا حقيقي فلو واجهنا ما نتذوقه بالتحليل والتفسير لتحلل أمامنا وأصبح لا معنى له، كأن نمعن التفكير في عواطف الأخاء والمودة ونحاول تفسيرها وإرجاعها لأسباب منطقية تفسيرية، فسوف يتسبب ذلك في تغيير رؤيتنا الفطرية لها مع الوقت.

لا أوافق الشاعر في رأيه، وأرى أن كل شيء بحاجة إلى تحليل لفهمه بشكل أعمق، والفن ليس استثناء، فالتحليل النقدي يعزز من تقديرنا للعمل الفني ويساعدنا في اكتشاف أبعاد جديدة لم نكن لنتنبه إليها من قبل، وبدلاً من أن يسلبه جماله يساهم التحليل في تعميق تجربتنا الجمالية ويزيد من قيمته، لأنه يفتح أمامنا آفاقًا لفهم دلالاته ومعانيه المتعددة.

رأيي مشابه لرأيك لأن جوهر النقد الفني هو إبراز مواطن الجمال والخطأ في العمل فلا يوجد عمل بدون أخطاء، وذلك حتى يطور المبدع من إبداعه ويقدم لجمهوره الأفضل، ولكن قد تكون المبالغة الشديدة في النقد تفقد الاستمتاع بجماليات العمل، وذلك من خلال التركيز على الأخطاء الصغيرة غير المحسوسة على حساب المميزات الكبرى والرسالة المنشودة

في رأيي من الممكن أن تؤدي الدراسة الفنية لإفساد عملية التذوق حتى لو لم تتجه بشكل كبير ناحية النقد وتحري الأخطاء، فمعرفة أصول وقواعد الرسم قد تخبرنا لماذا اختار الفنان هذه المساحة وهذا الشكل وهذا اللون فلا تعود اللوحة عمل فني في نظرنا بل تصبح مجرد اختيارات اضطر الفنان لتوخيها حتى لا يحيد عن القواعد الفنية.

فالتحليل النقدي يعزز من تقديرنا للعمل الفني ويساعدنا في اكتشاف أبعاد جديدة لم نكن لنتنبه إليها من قبل،

أدركت ذلك بشكل فعلي، عندما زرت معرضا للفن التجريدي، وكنت أنظر للوحات بعين الباحث عن جماليات الرسم التقليدي، وما به من تناسق للألوان ومناظر الخلابة، وهو ما ام أجده بمعظمها!.. لكن عند إطلاعي أكثر على أسلوب التجريد في الفن، أدركت ما كان بتلك اللوحات من جماليات مشفرة، لا يراها سوى من تأملها وحللها بدقة..

عند إطلاعي أكثر على أسلوب التجريد في الفن، أدركت ما كان بتلك اللوحات من جماليات مشفرة، لا يراها سوى من تأملها وحللها بدقة.

ألا يمكن أن يقع ذلك في حيز المغالطات المنطقية للمصادرة على المطلوب؟

حيث يخبرنا أسلوب التجريد في الفن أن مواطن الجمال في اللوحات التجريدية تقع ضمن النقاط 1، 2، 3.

ثم نذهب لمشاهدة اللوحات التجريدية لنجد تلك النقاط فنستشعر الجمال فيها؟

رأي الشاعر لا يمكن إهماله كذلك لأننا لو اندفعنا بالتأويل والتفسير لكل عاطفة جمالية داخلنا قد نتسبب في إفسادها، فلو اتجهنا لتفسير رابطة الأخوة أو الصداقة وحاولنا تفسيرها وتحليلها منطقياً وإرجاعها لأسبابها ودوافعها وشروطها سنجد تلك العواطف تبهت مع الوقت ولا يتبقى إلا أثرها الفكري المجرد من العواطف.

أرى أن رأي كيتس يعبر عن نظرة رومانسية ترى أن الفن يجب أن يُعاش بشعوره لا أن يُحلل بعقله، وهذا صحيح إلى حد ما، لأن الغوص في التحليل قد يبعدنا عن التجربة العاطفية المباشرة. لكن النقد والتحليل لا يعنيان بالضرورة تجريد الفن من جماله، بل يمكن أن يزيدا من تقديرنا له. عندما نفهم كيف يستخدم الفنان الألوان أو الإيقاع أو الرموز، نكتشف طبقات جديدة من المعنى لم نكن نراها من قبل.

شخصيًا كنت أستمتع بالأفلام والموسيقى لكن عندما بدأت أقرأ عن تقنيات الإخراج أو نظريات الموسيقى، أصبح لدي وعي أعمق جعلني أستمتع بها بشكل مختلف، وليس أقل. التحليل لا يقتل الفن، بل يتيح لنا الاستمتاع به من زوايا متعددة لادراكنا معناه.

هذا يصح بالتأكيد إذا حافظنا على الفارق الأساسي بين العمليتين، فعملية التذوق تختلف في مضمونها عن عملية التفسير والتحليل، وكما يمكن أن يزيد الفهم والتفسير من التذوق كما ذكرتي في مثال الإخراج والتصوير، يمكنه كذلك أن يؤثر بالسلب علة التذوق؛ فمحاولة تفسير عواطف مثل الأخوة والصداقة قد يذهب بنا لتحليلها منطقياً ومحاولة التعرف على شروطها وأسبابها وظروفها مما قد يؤدي لزوال أثرها العاطفي ويبقى منها آثارها الفكرية فقط.

لا أرى أن التحليل النقدي للفن يقتله، بل على العكس، يمكن أن يكون وسيلة لاكتشاف أبعاد جديدة في العمل الفني لم نكن لندركها بمجرد المشاهدة السطحية. ربما المشكلة ليست في التحليل نفسه، بل في الطريقة التي يُمارس بها؛ فإذا كان التحليل مجرد تفكيك جاف يخلو من الشعور، فهو يفقد الفن سحره. أما إذا كان التحليل يساعدنا على رؤية التفاصيل المخفية، وفهم الرموز والأفكار التي ربما لم ننتبه لها، فهو يضيف عمقًا إلى التجربة الفنية بدلًا من أن يسلبها جمالها

يمكن أن يسلب التحليل جمال الفن إذا لم نفرق بينه في أذهاننا وبين التذوق، فمعرفة أصول وقواعد الرسم قد يخبرنا لماذا اختار الفنان هذه المساحة وهذا الشكل وهذا اللون فلا تعود اللوحة عمل فني بل تصبح مجرد اختيارات اضطر الفنان لتوخيها حتى لا يحيد عن القواعد الفنية.