رجل لا يذكر كيف وُلد

كان يطفو، لا يدرك كيف أو متى، لكن الشعور بالوزن تلاشى، وكأنه لم يكن له جسد قط. الفراغ الأسود الذي ابتلعه لم يكن مظلمًا تمامًا، بل كان مليئًا بتموجات ضوء خافت، كأشلاء ذاكرة تحاول أن تتشكل من جديد.

أمام عينيه، بدأت الصورة تتضح. غرفة واهنة الضوء، ضيقة الجدران، تسبح في بحر من الظلال المهزوزة. امرأة مرهقة، عيناها غارقتان في إرهاق أبدي، تحتضن ما يشبه كتلة لحمٍ حيّ، يصرخ بلا توقف. ارتعش جسده وهو ينظر، لم يكن مشهدًا غريبًا، لكنه كان مشهدًا منسيًا… مألوفًا حد الرعب.

حاول أن يتحرك، أن يصرخ، لكن صوته لم يكن له وجود. كان مجرد طيفٍ يطفو فوق اللحظة، يراها تتجسد أمامه دون أن يكون جزءًا منها. المرأة كانت تهدهد الرضيع، تربت على جلده الأحمر المتجعد، تهامس بكلمات لم يكن يسمعها بوضوح. لكن الأهم… هو أنها لم تكن غريبة.

حدّق في ملامحها، تساءل كيف لم يدرك فورًا؟ كيف لم تعرفه ذاكرته رغم أنه عاش عمرًا كاملًا يحمل جزءًا منها في وجهه؟ كانت أمه… لكنه لم يستطع تصديق ذلك. لم تكن كما يتذكرها، لم تكن تلك المرأة التي عرفها في طفولته، بل كانت أصغر، أكثر إنهاكًا، أكثر وحدةً مما ظنّ. كانت هناك خطوط حزنٍ محفورة في وجهها، أعمق من تلك التي تركها الزمن لاحقًا، وكأنها وُلدت متعبة.

جسد الرضيع بين يديها كان يتحرك بتشنج، صراخه يملأ الغرفة كأنه يرفض وجوده منذ لحظة ولادته. كان قبيحًا، مغمض العينين، فمه مفتوح كنداء أول للحياة، لكن الحياة لم ترد عليه إلا بالبرد والألم. ارتجف، أدرك الحقيقة. هذا الطفل… هذا المخلوق الضعيف الذي يصرخ في وجه العالم، لم يكن سوى **هو**.

شهق، لكنه لم يسمع شهقته، بل رأى يد المرأة ترتجف، تمرر أصابعها فوق جبين الرضيع، وتهمس بكلماتٍ متعبة، لكنها كانت مليئة بشيء لم يتغير حتى بعد كل تلك السنين: الحب.

تسارعت أنفاسه، حاول أن يلمس كتفها، أن يخبرها أنه هنا، لكنه لم يكن سوى ظلٍ بلا جسد، ذاكرة بلا صوت. فقط نظر إليها، إلى نفسها الممزقة، إلى قلبها الذي احتمله قبل أن يكتشف هو نفسه كم كان ثقيلًا.

وفي تلك اللحظة، وهو يطفو فوق مشهدٍ كان ينبغي أن يكون بدايته، شعر بشيءٍ يشدّه… ليس إلى الماضي، بل إلى الداخل، إلى أعماق نفسه. وكأنه لأول مرة يرى نفسه من دون ملامح، من دون عمر، من دون ألم. فقط كحقيقةٍ عارية، رجلٌ نسي ملامحه، لكنه لم ينسَ من أين جاء.