الثقافة في زمن اللا ثقافة

  • مجهول

الذي يهمّنا هنا موضوع الثقافة إلاّ باعتبارها ممارسة ذات صلة بالمجتمع. إنّ الثقافة ليست بذخاً ولا إكسيسواراً بل طريقة في النّظر إلى العالم. وبالتالي، فإنّ كلّ ما يُكتب ينبغي أنْ يكون مُوجّهاً لخدمة الناس. فهناك كتب بعيدة عن الواقع وتبدو وكأنّها ضربٌ من التخييل الذاتي غير المُنتج للأفكار والمفاهيم. وهذا النوع من الكتب هو المسيطر على الثقافة المعربيه، فهي كتب تُقرأ من أجل القراءة فقط. وبالتالي، فهي مؤلفات لا تُعلّمنا شيئاً، بقدر ما تُعطّل ملكة التفكير وتجعل الفكر مُعطّلاً وجامداً...

ورغم الدور الكبير الذي يلعبه الأدب في حياة الناس وقدرته البارزة في تجميل حياة الناس، فإنّ كثرة النصوص الأدبية تجعل هذه الثقافة وكأنها مصابة باستسهال أدبي، في غياب تام للكتب العلمية والدراسات السوسيولوجية والمؤلفات التاريخية التي تُساعد المرء على بناء ذاته وفهم طبيعة المجتمع الذي ينتمي إليه. بينما هناك كتب أخرى كبيرة تفتح لك الأبواب وتشرع في وجهك كافة المعارف والقصص والحكايات والتجارب الإنسانية. إنّها كُتب تُعلّمك كيف تعيش وتُفكّر وتفهم وتنتقد وتُقدّم مجموعة من الأفكار في موضوع ما.

وضع الثقافة العربية مخجل ولا يليق بثقافة تاريخها ضاربٌ في القدم. فعدد المؤلفات الصادرة في السنوات الأخيرة يحتل فيها الأدب الصدارة. في حين تبقى الدراسات المتصلة بالعلوم الاجتماعية ضعيفة وقليلة الصدور. يُفسّر البعض سبب هذا « العزوف » على تأليف دراسات من هذا النوع إلى غياب مؤسسات علمية تُساهم في دعم البحوث الاجتماعية ونشرها ليستفيد منها الناس. فالمؤسسات الرسمية لا تعمل على دعم هذه البحوث وتخصيص جزءٍ صغير من ميزانيات البحث العلمي بهدف تنمية المجتمع اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً، فسيطرة الأدب على الثقافة ليس عاملاً إيجابياً بالمرّة. كلّ هذا في وقتٍ يتخرّج فيه عدد من الباحثين سنوياً داخل الجامعات في تخصصات ذات صلة بالتاريخ والفلسفة والسوسيولوجيا وعلم النفس.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كلامك صحيح تماما، نسبة كبيرة جدا من الكتب التي تصدر سنويا هي روايات لا فائدة منها ولا طائل، وكل من يملك ملكة الكتابة تجده يصدر رواية، وأغلب الروايات التي تصدر تعرض بنفس الطريقة، الغريب بمناسبة البحث العلمي، أن كافة الكليات بها قسم دراسات عليا يعني هناك أبحاث علمية لا تنتهي تجرى من قبل الطلاب ومكانها يكون رفوف الجامعة ولا فائدة من وصولها لنا كقراء مثلا، فمثلا أتابع أحد أساتذة التسويق بجامعتي وهو يشارك كم المناقشات البحثية التي تجرى لطلاب الدبلومات والماجستير، لمواضيع تعد مهمة جدا للسوق، ولكن بالنهاية كل هذه الأبحاث المتعوب عليها من الطلاب بين جمع بيانات وتحليلها واستنتاجات تلقى على الرف، ليس هناك ربط بين جانب البحث العلمي وبين من يكتب كتاب، وكأن من يكتب لا يريد أن يقضي من عمره وقتا وجهدا للذهاب هنا وهناك لجمع هذه المعلومات والدراسات وتقديم كتاب فعلا متعوب عليه لنا كقراء.

لإن وضع الثقافة العربية للاسف تحول من كونه فعلاً معارضاً للخسارات ومواجهاً للفساد ومقابلاً للأغلاط ونداً لحركات التدمير والأفكار التدميرية إلى كونها فقط صارت حالة معرفية عادية تحليلية بلا أب موقف.

الثقافة بمنطق إدوارد سعيد المفكر الفلسطيني المشهور الذي كان مقيم في الولايات المتحدة هي: أن تعرف متى تقول لا وكيف تقول لا!

المثقفين نحن في بلادنا صاروا أكوات تسليب ومهانة ليس إلا ولا ينخرطوا عملياً في المجتمع ويحاولوا تغييره من الداخل فعلاً ويواجهوا أغلاطه وطالما أن موقفهم ليس تصادمي فهو لن ينشأ ثقافة، لإن الثقافة أصلاً بجوهرها فعل تصادمي هدفه التغيير.

عندما تصبح مهنة التأليف مهنة من لا مهنة له فلا تتوقع غير ذلك، فقد سمح المسؤولين عن الثقافة ودور النشر للهواة بتدوين أفكارهم ثم قاموا بدعمها والترويج لها حتى فسد الذوق والفكر العام، وهذا الكلام من واقع ما أراه ببلدي، حيث يوجد عدد كبير من المؤلفين صاروا كذلك لأنهم يمتلكون متابعين أو معارف أو شهرة بمجال معين وبذلك تضمن دور النشر نسبة المبيعات المرتفعة دون أن تلقي بالاً إلى التأثير والقيمة، ولو نظرت إلى حال المثقفين ستجد أنهم منبوذين تماماً لا يستطيعون الحديث عن معرفتهم ولو تحدثوا فلن يجدوا من يتقبل أو يبادلهم الرأي وكأن الجميع مصاب بداء الجهل وشلل التفكير.