إن صوت الضمير ضعيف أمام صوت صراخ الأمعاء..

لما طُرحت فكرة المنفعة في الفلسفة لم يَنظر أنصار النفعية وحتى البراغماتية إلى أفكارهم على أنها تعترض على القيم الإنسانية، بل تم اعتبار "المصلحة الإنسانية" غاية أساسية لكل فرد حتى وإن قرر إضمارها، بالنسبة لمسألة "الحقيقة" وأن ما كانت للإنسان مصلحة فيه فهو الحقيقة؛ كان يمكن اعتبارها أمرا واقعيا عبر عدة جوانب موضوعية، أما عندما اقترن الأمر بمسألة "الأخلاق" كان إدراج نظريات النفعية بمثابة ذاتيةٍ ظاهرةٍ وتسليمٌ بيِّنٌ للأمر إلى أهواء فردية تختلف وتتعارض على الدوام.

تصنّف مقولة الكاتب والفيلسوف الفرنسي "دينيس ديدرو":

«إن صوت الضمير ضعيف أمام صوت صراخ الأمعاء»

كرأيٍ مؤيد لفكرة أن مصدر الأخلاق نفعيّ، إذ أنه يُغلِّب الحاجة البيولوجية (أي الضرورة حسب تصويره) على حساب الضمير الأخلاقي، فعبّر بقوله أن الأخلاق أمر نسبي أمام أي ضرورة غالبة.

لكن إخضاع مقولته وكذا رأيه ثم أنصار المنفعة عمومًا للنقد؛ يجعلنا نعتبر الأخلاق -حسبهم- أمرًا ثانويا يختلف من شخص إلى آخر..

فلكل إنسان مصلحته الخاصة أليس كذلك؟

وعليه فقد تتعارض مصلحتي مع مصلحتك وسيصعب الفصل في أمرنا مادام معيار الحكم على الأمر أنه أخلاقي من عدمه مرهون حسب تنظيرهم على "المنفعة الشخصية" فأي شخص سنعتمد مصلحته هنا؟

وبتركيز البحث عن "ديدرو" وفكره، يمكن أن يقال أنه وليد الفكر الاستعماري خلال القرن السادس عشر ببروز المدرسة الكولونيالية واتضاح طرحها الذي يقدم الإستعمار كعملية إنسانية تهدف إلى نشر الحضارة، خصوصا إذا ما استند هؤلاء وغيرهم على فكرة "أرسطو طاليس" القائل:

«نقوم بالحرب من أجل تحقيق السلام»

فمع معطيات كهذه سيبدو من المريح بالنسبة له وللمجتمع أن يتقبلوا فكرة أن "إبادة عرق كامل لأجل تسويق فكرة أو إيديولوجية، هي أمرٌ أخلاقيٌّ تماما..، بل غايةٌ في التحضر..!"

ماذا عنكم، هل ترون أن فكرة دينيس ديدرو قد تصح من زاوية ما؟ وماذا عن معيار الأخلاق؟ مع أي مذهب فكري تتفقون؟ أن المعيار عقليٌّ أم نفعي أو اجتماعيّ؟؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

بالنسبة لي، أنا مع المعيار الأخلاقي. أجل للكل منافع خاصة، لكن يجب أن لا تتعارض مع مبادئنا الذاتية و المجتمعية.

بالنسبة لي، صوت الضمير أعلى بكثير. إنه مزعج للغاية لا يكف عن الصراخ.

مرحبا أستاذة فردوس،

بالفعل، الضمير الأخلاقي لابد أن يتوفر حقا لدى كل إنسان منا، لا بد أنك تقصدين أنك مع تقديم فكرة الضمير على أي صوت آخر صحيح؟

فبالنسبة للمعيار الأخلاقي فحتى دينيس ديدرو يتفق على وجوب وجود الأخلاق، وكذا الأمر بالنسبة لأنصار المذهب البراغماتي (أي المصلحة والمنفعة) فهل تعتقدين أن معيار الأخلاق نفعي كما يقولون (أي أن التصرف أو الفعل الذي لك مصلحة فيه فهو الأخلاقي) أم أنك تتفقين مع أنصار النظرية الإجتماعية التي ترى أن مصدر الأخلاق هو المجتمع الذي لديه قيم تحدد ما هو أخلاقي من عدمه، وهنالك حتى أصحاب المنطق العقلي الذين يقولون أن الحكم على أي فعل أنه أخلاقي يعتمد على العقل الذي يفسر ذاك الفعل..

فمع أي مذهب تتفقين؟ أم ربما لديك رأيا آخر يختلف عنهم جميعا؟

Beghjij أضف ردا
بالفعل، الضمير الأخلاقي لابد أن يتوفر حقا لدى كل إنسان منا، لا بد أنك تقصدين أنك مع تقديم فكرة الضمير على أي صوت آخر صحيح؟

أرى بالأساس أنه مقدم، أقصد أنه يفرض نفسه بنفسه. أتحدث عن نفسي بالطبع لأنني لا أعرف نفسيات الآخرين. بالنسبة لي، أقول أن صوت الضمير طاغ كثيرا، إنه يزعجني دائما.

لا أرى أن معيار الأخلاق باراغماتي، فالصدق كخلق قد يضرني قوله و يكون منافي لمصلحتي الشخصية لكنني رغم ذلك سأقوله. لأن هنا صوت الضمير سيطغى، لن أتحمل إزعاجه.

عن النظرية الاجتماعية، في الحقيقة، لا يمكننا أن ننكر أن المجتمع بالفعل يفرض علينا الكثير من الأخلاق. لكن لا، لا أرى أن الأخلاق مصدرها المجتمع، إنها أعمق من أن يحددها المجتمع و حسب. إنها إذا صح التعبير فطرة داخلية فينا، نبراس نكتشفه بأنفسنا لكنه كان فينا. لاحظ القطة التي تسرق السمك و كيف تتخفى كأنها مدركة أن ما فعلته جريمة (لا يجوز أخلاقيا)، و راقبها عندما تعطيهها أنت سمكة، تأكلها بارتياح دون تخفي. أي مجتمع ذاك الذي حدد لها أن السرقة غير أخلاقية؟

و عن المنظور العقلي، و هذا أيضا لا أتفق معه. سأعود إلى مثال الصدق، كما قلت لك، هناك حقيقة إذا قلتها ستضرني. عقلي الذي يفكر في مصلحتي بالدرجة الأولى لا يقبل بذلك. ألا ترى أنه شيء منافي للعقل أن أقول حقيقة تضرني؟ بهذا لا أرى أن مصدر الأخلاق العقل.

الأخلاق أعمق من ذلك، إنها شيء داخلي فينا، يمكنني ربطها بالضمير. هل المجتمع، العقل، المنفعة هم من يحددون الضمير؟ لا. و ما الضمير إلا ذلك الصوت الداخلي الذي يصرخ بشدة عندما تنافي الأخلاق.

لا أعرف إن كانت مصادفة أنني في هذه الفترة أقرأ عن التصور الأخلاقي لكانط. إنه يرى أن مصدر الأخلاق هو العقل و ليس التجربة، و أنها كونية أي تطبق على الجميع في كل مكان و زمان و بالتالي فهي غير ذاتية و لا ترتبط بالمصلحة الشخصية. أيضا فكرة الإرادة الخيرة، أي أن الفعل ليس هو الخير بذاته و إنما الإرادة من ذلك الفعل. مثلا، المعرفة تبدو لنا خيرا، لكن إذا استعملت بإرادة شريرة تتحول إلى شر. و هكذا فالإرادة الخيرة هي الوحيدة الخيرة في حد ذاتها بشكل كوني.

و في الحقيقة، أميل إلى رؤية إيمانويل كانط و أجدها عقلانية. النقطة الوحيدة التي لا أوافقه فيها هي كون العقل مصدر الأخلاق. كما أخبرتك سابقا لا أرى ذلك. مصدر الأخلاق شيء عميق فينا.

على أي، هذه وجهة نظري. شكرا على طرحك للموضوع

لكن هذا يدقعني لطرح سؤال:

ما الأخلاق بالأساس؟

ألا ترى أنه شيء منافي للعقل أن أقول حقيقة تضرني؟ بهذا لا أرى أن مصدر الأخلاق العقل.

أحل أنت محقة تماما، ربما سأدعم موقفك بفكرة أخرى وهي أن المعيار العقلي لا يختلف كثيرا عن المعيار البراغماتي، أقصد أن كل منهما قائم على ذاتية خاصة بكل فرد وكثيرا ما تتعارض كما أشرتي تماما.

يبدو أن رؤيتك للمعيار الأخلاقي هي تركيب لإيجابيات أصحاب الطرح العقلي مع أصحاب الطرح البراغماتي مع أصحاب الطرح الإجتماعي، والموقف التركيبي في الفلسفة رأي حكيم كونه يعتمد على انتقاء الأنسب من كل نظرية..، لكني ربما قد أختلف معك في مسألة الفطرة، ليس الكل ذا فطرة سليمة هنا!! فالفطرة هي ما جُبلنا عليه منذ الخلق أو الولادة، لكن عوامل كالمجتمع والتعليم ستؤثر على فطرة الناس، كما يقال "الإنسان ابن بيئته" قد يكون شرب الخمر عملا لا أخلاقيا بالنسبة لنا، لكنه لدى شعوب وثقافات أخرى لا يضر بالأخلاق، لهذا فالبيئة تؤثر على الأفكار، كذلك التعليم بين مجتمعات تعلم ناشئيها أن قيام الطبيب بإنهاء حياة المريض هو عمل إجرامي، وشعوب أخرى تلقت تعليمها على أن إنهاء حياة مريض يعاني هي عمل أخلاقي وحتى في اختيار تسمية للأمر يسمونه "قتلا رحيما"!

لذلك فالفطرة ليست معيارا ثابتا، أما عن مثال القط والسمكة فأعتقد أن البهائم لا تسير وفق نظام عقلي يتيح حرية التصرف وإنما تسيرها غرائزها، لذلك لا يصح مقارنتها بالعنصر البشري الذي كما أوضحت تتأثر فطرته.

وأكرر أني أتفق بأن وجهة نظرك منطقية للغاية في انتقاء إيجابيات كل طرح، غير أن فلسفة كانط ما يعيبها هو أنها مثالية تماما ويصعب تحقيقها على أرض الواقع ولعل هذا هو النقد الذي يلاحق كانط في مختلف نظرياته، ويمكنك الاطلاع على تنظيره المذهل في كتاب "نقد العقل الخالص" الذي كان كأنما ينشد الكمال!

أما عن الأخلاق وماهيتها في الأساس؟ فهي كما اتفق كلانا أنها ببساطة "صوت الضمير"؛ هي ما يمنعنا من الانصياع وراء رغباتنا في حال ما تعارضت مع رغبات الآخرين، أو هي احترام القول المأثور: "حريتك تتوقف عند حرية الغير".

أحل أنت محقة تماما، ربما سأدعم موقفك بفكرة أخرى وهي أن المعيار العقلي لا يختلف كثيرا عن المعيار البراغماتي، أقصد أن كل منهما قائم على ذاتية خاصة بكل فرد وكثيرا ما تتعارض كما أشرتي تماما.

أجل، حتى بإمكانك أن تلاحظ أنني استعملت نفس المثال كمثال معاكس لدحض الباراغماتية و المنظور العقلي.

كني ربما قد أختلف معك في مسألة الفطرة، ليس الكل ذا فطرة سليمة هنا!! فالفطرة هي ما جُبلنا عليه منذ الخلق أو الولادة، لكن عوامل كالمجتمع والتعليم ستؤثر على فطرة الناس، كما يقال "الإنسان ابن بيئته" قد يكون شرب الخمر عملا لا أخلاقيا بالنسبة لنا، لكنه لدى شعوب وثقافات أخرى لا يضر بالأخلاق، لهذا فالبيئة تؤثر على الأفكار، كذلك التعليم بين مجتمعات تعلم ناشئيها أن قيام الطبيب بإنهاء حياة المريض هو عمل إجرامي، وشعوب أخرى تلقت تعليمها على أن إنهاء حياة مريض يعاني هي عمل أخلاقي وحتى في اختيار تسمية للأمر يسمونه "قتلا رحيما"!

عندما تقول أنه ليس الكل ذا فطرة سليمة هنا، أهذا يعني أن الفطرة قد تكون غير سليمة؟ لا أتفق، فالفطرة سليمة تماما، إنها شيء واحد جبلنا عليه جميعا. لكن لحظة، تعطي بعض الأمثلة عن فرض المجتمع لأخلاقه الخاصة. في الحقيقة، لقد قلت أنني لا أنكر أن المجتمع يفرض بعض الأخلاق. بل إنها ليست أخلاقا حتى، مجرد اعتقادات، عادات. إنني عندما قلت أخلاق قصدت المنظور العميق لها، تلك الأخلاق الصافية التي نعرفها جميعا: الصدق كمثال، عدم السرقة. ما من مجتمع يفرض الكذب على أفراده. و هنا قد أعود إلى فكرة الإرادة الخيرة، ربما القتل شر، لكن هنا قد يتحول إلى خير، بالفعل، بعض المجتمعات لا تعترف بالقتل الرحيم و تستنكره، لكن ذلك الطبيب الذي قتل مريضه كان يحمل إرادة خيرة و رغبة في المساعدة لا تتخالف مع فطرته، لا أنكر أن للمجتمع دور كبير، فلو كان نفس الطبيب بمجتمع آخر لما مكنته إرادته الخيرة من قتل ذلك المريض.

هنا أفكاري مبعثرة قليلا، أتمنى أن تفهم ما أقصده.

أنا أرى أن الفطرة معيار ثابت، ببساطة لأنها فطرة. لكن ما دمنا لم نتفق على أن الفطرة سليمة فلن نتفق على أنها معيار أخلاقي.

 أما عن مثال القط والسمكة فأعتقد أن البهائم لا تسير وفق نظام عقلي يتيح حرية التصرف وإنما تسيرها غرائزها، لذلك لا يصح مقارنتها بالعنصر البشري الذي كما أوضحت تتأثر فطرته.

ربما، ترددت قليلا قبل أن أذكرها. لكن لكن دعني قبل ذلك أسألك عن الفرق بين الغريزة و الفطرة، أم تراهما شيء واحد؟

ربما تكون فلسفة كانط مثالية و هي صعبة التحقيق، أنا أراها واقعية و منطقية. بالأخص فكرة الإرادة الخيرة، لا أراها تحتاج لتجسيد في الواقع لأنها مجسدة أساسا.

عندما تقول أنه ليس الكل ذا فطرة سليمة هنا، أهذا يعني أن الفطرة قد تكون غير سليمة؟

قطعا لا أقصد أن الفطرة التي خلقنا الله عليها مختلفة، بل إنها فطرة قويمة وثابتة حقا، لا وجود لمجرم بالفطرة أو محتال بالفطرة، الفطرة بتعبير تكنولوجي إن كان يصح لتقريب المعنى: هي إعدادات المصنع التي تكون مماثلة في كل الهواتف مثلا، بينما بعد الاستعمال تختلف الأمور بين جهاز حافظ مستخدمه على خصائصه كاملة وآخر أهمله فأدى ذلك إلى تلف بعض الخصائص.

وهذا ما قصدته بتأثير الأفكار على ما يراه الإنسان فطريا، فتلك الاعتقادات التي يدخلها المجتمع على الفكر فإنها تجعل الفرد معتقدا أن ذلك فطري، رغم أنه كما أشرت -معدّل عليه بأفكار جديدة-..

ربما القتل شر لكنه يتحول هنا إلى خير

لاحظي مثلا المثال الذي تكرمتي به، وأجل لقد فهمت فكرتك:

هنا أفكاري مبعثرة قليلا، أتمنى أن تفهم ما أقصده.

الفطرة لدى كل إنسان مهما اختلفت ثقافته ومجتمعه هي أن القتل شر، لكن الجانب الآخر والمتعلق بـ (لكنه يتحول هنا إلى خير)..، وهذا ما يمكن اعتباره نتيجة الأفكار المجتمعية، ففي مجتمع قد يكون القتل خيرا في تخليص المريض من معاناته، وفي إعدام قاتل متسلسل، وفي إرداء مجرم فارّ..

بينما لدى مجتمع آخر مثلا، لا يكون القتل خيرا إلا في القصاص أو إعدام القاتل المتسلسل، فالمعتقد والمجتمع هو من حدد التكملة، أي أن الفكرة الأساسية هي القتل شر، والتكملة هي: متى يكون خيرًا..

وبخصوص الإرادة الخيرة لم يقال أنها مثالية؟ لأنها تقوم على الشطر الأول: (القتل شر) بينما تعتبر الشطر الثاني كله لا أخلاقيا (سواء قتل مجرم، مريض يعاني، خائن للبلد، عدو مترصد...الخ) لذلك فهي تنظيرية فحسب ولا يمكن تطبيقها عمليا في حالة ما قدّر الوضع الشطر الثاني من المثال.

دعني قبل ذلك أسألك عن الفرق بين الغريزة و الفطرة، أم تراهما شيء واحد؟

سأقدم وجهة نظري بتمثيل الأمر على نماذج: الفطرة متعلقة بالإنسان، فكما أشرتي وأتفق معك؛ هي صدق الإنسان ومقته للكذب، هي الأمانة وكره السرقة، هي التعايش ورفض القتل.

أما الغريزة فهي بيولوجيا -في الغالب- طبيعية تكون لدى كل من الإنسان و الحيوان معا، (ولو أن التعبير الأنسب هو البهائم لأن الحيوان هو كل هيكل وُجد فيه عنصر الحياة يسمى لسبب الحياة حيوانا، لهذا ورد في القرآن "والآخرة هي الحيوان"، كما أن القرآن لم يطلق اسم حيوانات بل بهائم أو أنعام)، فكما قلت الإنسان و البهائم معا لديهم غريزة؛ كغريزة حب البقاء، حب الذات، الرغبة في وجود العطف، الخوف، السعادة الحزن...الخ

أتطلع إلى رأيك أستاذة

لكن رغم ذلك تظل الفطرة سليمة في جوهرها و بحد ذاتها. أفهم ما تقصده من أن المجتمع يؤثر، و أنا أتفق معك في ذلك تمام الاتفاق، لكن هذا لا يعني أنه يغير الفطرة. كما قلت لك، القتل الرحيم مثلا يظل موضوعا غير قار، أقصد أن هناك من يعتقد أنه جيد و رحيم و هناك من يراه قتلا. لكن إذا تحدثنا عن الأخلاق الظاهرة للجميع و التي لا تقبل نقاشا و آراء كالصدق فهل المجتمع يؤثر؟

ما أريد قوله، هو أن الفطرة بحد ذاتها سليمة تماما، لكن الإنسان قد يتبع مجتمعه و يخطأ و ينافي تلك الفطرة، لكنها تظل موجودة فيه، سليمة تماما، إذا ما قرر يوما الرجوع إليها.

عن الإرادة الخيرة، لم تفهمني أبدا. هي لا تقول أن القتل بحد ذاته شر أو خير و إنما الإرادة من ذلك القتل، أي الشطر الثاني: متى يكون خيرا. فالهدف من القتل هو بحد ذاته الخير.

أما الغريزة فهي بيولوجيا -في الغالب- طبيعية تكون لدى كل من الإنسان و الحيوان معا، (ولو أن التعبير الأنسب هو البهائم لأن الحيوان هو كل هيكل وُجد فيه عنصر الحياة يسمى لسبب الحياة حيوانا، لهذا ورد في القرآن "والآخرة هي الحيوان"، كما أن القرآن لم يطلق اسم حيوانات بل بهائم أو أنعام)، فكما قلت الإنسان و البهائم معا لديهم غريزة؛ كغريزة حب البقاء، حب الذات، الرغبة في وجود العطف، الخوف، السعادة الحزن...الخ

حسنا، أتفق معك في هذا.

لكن إذا تحدثنا عن الأخلاق الظاهرة للجميع و التي لا تقبل نقاشا و آراء كالصدق فهل المجتمع يؤثر؟ ما أريد قوله، هو أن الفطرة بحد ذاتها سليمة تماما، لكن الإنسان قد يتبع مجتمعه و يخطأ و ينافي تلك الفطرة، لكنها تظل موجودة فيه، سليمة تماما، إذا ما قرر يوما الرجوع إليها.

لا شك في هذا طبعا، لكن الحياة أكثر تعقيدا من مجرد الإجماع على هذا، فالقاضي في المحاكم لن يحاضر على الجاني أن القتل أو السرقة عمل منافٍ للأخلاق، فكل الحضور هناك مجمعون على ذلك، لكنه سيغوص في تعقيدات مسألة هل قيام هذا المتهم بقتل لص دخل لبيته هو عمل أخلاقي أم أنه دون ذاك، فهنا سيتداخل الموضوع مع ثغرات القانون ونسبية المعيار الأخلاقي..

ماذا عنكم، هل ترون أن فكرة دينيس ديدرو قد تصح من زاوية ما؟ وماذا عن معيار الأخلاق؟ مع أي مذهب فكري تتفقون؟ أن المعيار عقليٌّ أم نفعي أو اجتماعيّ؟؟

جميعنا نبحث عن مصالحنا الشخصية لا أحد يستطيع الإنكار ولا حرج في ذلك، ولا حرج أيضا في التنافس من أجل المصلحة، الحرج فقط في طريقة المنافسة وإقصاء الأخلاق والشرف جانبا مقابل الحصول على تلك المصلحة فقط..

صوت الضمير أعلى من كل الأصوات هذا هو المفترض، لكن ليس هذا ما يحدث مع الكل فالكثيرون ممن حولنا قد قتلوا وأخرسوا صوت ضميرهم تماما، هذا يرجع للشخص نفسه وليس أحدا آخر..

أرى أن المعيار خليطا من الجميع بشرط عدم تعارض المصالح وبقدر أخذ كل شخص من كل قدر حسب حاجته وفقط..

مرحبا أستاذة شروق،

الحرج فقط في طريقة المنافسة وإقصاء الأخلاق والشرف جانبا مقابل الحصول على تلك المصلحة فقط..

بالنسبة لأصحاب المذهب البراغماتي، هم لا يرون أن هذا إقصاء للأخلاق بل يرون أنه العمل الأخلاقي ذاته، مثلا أن ما يحدد هل يحق لي أخلاقيا أن أضغط على بوق السيارة أمام مشفى؟ فإن الأمر مرهون بمصلحتي من ذلك، كأن أحتج بأن حركة المرور تعرقل وصولي إلى الدوام في الوقت المحدد، او أني مستعجل لأن قريبي مريض..

لهذا فالمصلحة تتعارض مع مصلحة المريض في المشفى والذي يحتاج إلى الراحة، ولهذا يكون المعيار البراغماتي ضعيفا أمام إشكالية تعارض المصالح.

أما عن قولك:

أرى أن المعيار خليط من الجميع

فإن ذلك يتعارض مع مبدأ أساسي وهو مبدأ "الثالث المرفوع" أو ما يسمى أيضا بمبدأ عدم التناقض، فالاتجاهات تحمل آراء مناقضة لما بينها لهذا لا يمكن دمجها كلها، وإنما ما يمكن هو غربلة النظريات وانتقاء الأنسب عن كل فريق أو اتجاه، فذلك هو الأنسب كون النظريات كلها نسبية وتحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية، وهو ما أشرتي إليه عبر إضافتك لعبارة « بشرط عدم تعارض المصالح » ألا تتفقين معي أستاذة؟

نعم أتفق معك.. ولكن هذا مجرد إبداء للرأي فقط .

طبعا أستاذة، وكما أن نظريات هؤلاء المفكرين نسبية تحتمل الصواب والخطأ فكذلك هي أرائنا حول هذه الأفكار.

تحياتي لك

لست فيلسوفا وربما لا اعرف في الفلسلفة الا اسمها او كما شاع في مجتمعنا ان فلان "يتفلسف" وحسب تعريفنا فانه يتحدث ويخوض فيما لا يعرف.

ولا ادري ان كنت الان "اتفلسف" لكن قد اغلب مصلحتي على مصالح الاخرين ما دام تغليبها لا يحدث الضرر عليهم او على حياتهم،اي ان المصلحة الانسانية غاية اساسية لكن ربما من الخطأ تغليبها على امن المجتمعات فمن الخطأ ان يسرق الفقير الغني،كما انه من الخطأ ان يسرق الغني الفقير. وايضا لا يجوز ان تحتل دولة دولة اخرى لوجود الثروات فيها ربما في ظل عدم قدرة الدولة الثرية على حماية ثرواتها فمن الافضل توقيع اتفاقيات لحمايتها من اطماع الدول الاخرى،مقابل الاجر او الحقوق في انشاء مشاريع داخل الدولة الغنية بالموارد،فتغليب المصالح الشخصية دائما وابدا يقود الى الجشع.

"يتفلسف" وحسب تعريفنا فانه يتحدث ويخوض فيما لا يعرف.

هو مفهوم خاطئ عن الفلسفة عبر إخضاع هذه الأخيرة للسياق التاريخي الذي يشير إلى أنها تعني "محبة الحكمة"، فـ: يملك فلسفة تعني "يملك فكرًا"، وعليه فـ "يتفلسف" تعني أنه يعبّر عن فكره، ليس خطأً بتاتا اعتبار رأيك فلسفة..

المصلحة الانسانية غاية اساسية لكن ربما من الخطأ تغليبها على امن المجتمعات

المصالح حقا تتعارض بين هذا وذاك، ومهما اتفقت فلا بد أن تتعارض عند منعطف ما، الإنقياد وراء المصلحة الخاصة هو إقصاء للآخر وبالفعل يعتبر "جشعًا".