حين نحمي أرواحنا بأيدينا

ننشأ ونحن نعتقد أن القوة صفة صاخبة وأن النجاة تحتاج إلى درع خارجي يحجب عنا القسوة. ثم نمضي في الحياة ونكتشف بهدوء أن أكثر لحظات النضج عمقا تبدأ حين نكف عن انتظار منقذ. الضعف ليس عيبا بل مرحلة. مرحلة يتعلم فيها الإنسان كيف ينصت لنفسه وكيف يعترف بخوفه دون أن يسمح له أن يقوده.

المطر في حياتنا ليس حدثا عابرا. هو كل ما يفاجئنا دون استئذان. خيبة غير متوقعة. فقدان. كلمة قاسية. أو صمت طويل. بعضنا يهرب. بعضنا ينتظر أن يتوقف المطر. والقلة فقط تفهم أن التقدم لا يشترط صفاء السماء بل صدق الخطوة.

حين يتعلم الإنسان كيف يحمي روحه بنفسه يتغير معنى الأشياء من حوله. لا يعود البلل دليلا على الفشل ولا التعب علامة ضعف. يصبحان أثرا طبيعيا للمشي. المظلة الحقيقية ليست ما نمسكه بأيدينا بل ما نحمله في وعينا. قناعة داخلية تقول إننا نستحق الاحترام حتى ونحن متعبون. وإن الوقوف ليس عنادا بل وفاء للذات.

المجتمع اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأقوياء في الظاهر. يحتاج إلى أناس صادقين مع هشاشتهم. أناس لا يخجلون من محاولاتهم غير الكاملة. لأن من يحمي روحه لا يؤذي غيره. ومن يفهم ضعفه يفهم الآخرين. وهنا تبدأ القوة التي لا تُرى لكنها تغيّر كل شيء.

ليس المطلوب أن ننتصر دائما. يكفي أحيانا ألا ننهار. أن نكمل الطريق رغم الثقل. أن نؤمن بأن الاستمرار قيمة. وبأن الكرامة لا تُقاس بكمية الجفاف في أيامنا بل بقدرتنا على البقاء واقفين حين تثقل السماء.

السؤال

ما الشيء الذي تعلمك أنت كيف تحمي روحك دون أن تفقد إنسانيتك؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أنا أعترف بالهشاشة، ولكني أخشى أن يتحول هذا الاعتراف إلى تبرير للاستسلام أو التقاعس.

بالنسبة لي نقطة الخطر تكمن في الفصل بين اعترافي الداخلي و أدائي الخارجي.

المطلوب مني هو الاعتراف بهشاشتي (داخليًا)، لكني على الرغم من ذلك أستمر في الأداء (خارجيًا).

وقوتي الحقيقية هي في الفصل بين الأمرين، وليس في التماهي التام مع الضعف.

ما طرحته دقيق جدا عزيزتي رغدة بل كلماتك تحمل وعيا ناضجا. الاعتراف بالهشاشة لا يكون قيمة إلا إذا بقي مساحة للفهم لا ذريعة للتوقف. هناك فرق عميق بين أن نرى ضعفنا بوضوح وبين أن نسكنه ونسلم له القيادة.

الهشاشة حين تبقى داخلية تتحول إلى معرفة. معرفة بحدودنا وبما نحتاجه لنكمل الطريق. أما الأداء الخارجي فهو شهادة على أننا لم نخلط الصدق مع الانسحاب. أن نستمر رغم الارتباك لا لأننا أنكرناه بل لأننا فهمناه.

القوة التي تشير إليها ليست قسوة على الذات ولا إنكارا لما في الداخل. هي اتزان. أن نسمح لأنفسنا بالشعور دون أن نسمح للشعور أن يشل حركتنا. أن نعترف دون أن نتوقف. وأن نمشي ونحن نعرف أين نضع أقدامنا حتى إن كانت ترتجف أحيانا.

في هذا الفصل بين الداخل والخارج تنشأ قوة هادئة. قوة لا تتباهى بصلابتها ولا تتخفى خلف ضعفها. قوة تعرف متى تنصت لنفسها ومتى تنهض وتفعل. وهذا في حد ذاته نضج لا يبلغه إلا من واجه هشاشته بصدق ثم اختار ألا يكون أسيرها.