حين يخفت وهج الكتابة… كيف نعبر أوقات فقدان الشغف؟

أعرف تمامًا ذلك الشعور حين تجلس أمام ورقة بيضاء أو شاشة مضيئة، وتحدّق طويلًا كأن الكلمات فقدت طريقها إليك. ليس لأنك توقفت عن التفكير، ولا لأنك لم تعد تملك شيئًا تقوله، بل لأن الشغف نفسه تراجع خطوتين إلى الخلف، وكأنه يراقبك من بعيد.

مررتُ بهذه اللحظات كثيرًا. كنت أكتب وكأنني أطارد الحياة، أفيض على السطور بما يتجاوزني، ثم فجأة يتوقف كل شيء. أظل أتساءل: هل انتهت الحكاية؟ هل جفّ النبع؟ أم أن الأمر مجرد استراحة لم أكن أعلم أنني بحاجة إليها؟

الغريب أنني أكتشف دائمًا أن فقدان الشغف ليس عدوًا كما نتصوّر. أحيانًا هو مرحلة ضرورية، كهدوء البحر قبل أن يعلو موجه من جديد. في صمته أتعلم أن الكتابة لا تأتي دائمًا بالعنفوان نفسه، وأنه من الطبيعي أن تخفت لتعود أقوى.

بعض اللحظات تعيدني كلمة عابرة، أو موقف بسيط، أو حتى أغنية سمعتها صدفة. فجأة أجد أن الحروف تتسابق من جديد، وكأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة للعودة. عندها أدرك أن الكتابة ليست مجرد فعل إرادة، بل علاقة تشبه أي علاقة أخرى، تمر بفتور وصعود، لكنها تبقى ما دمنا نحن نصرّ على أن تبقى.

لست متأكدًا إن كان علينا مقاومة هذا الفتور بالقوة، أم تركه يمرّ بهدوء كما يمرّ أي فصل من فصول الحياة. لكنني متأكد أن السؤال يظل قائمًا عند كل من جرّب الكتابة يومًا: هل الشغف يرحل فعلًا، أم أنه فقط يتوارى قليلًا ليختبرنا؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

معذرة، لكنني لا أرى ان فقدان الشغف بهذه الطريقة التي وصفتها بقولك إن فتور الكتابة مجرد استراحة قد يكون تبريرًا مريحًا، لكنه في رأيي هروب من مواجهة الحقيقة الانسان أحيانًا يفقد الشغف، ولن يعود ما لم يبحث عنه بجدية. لا ينبغي ان ينتظر الكاتب إلهامًا عابرًا أو كلمة من صدفة لتولد افكاره، والا سيبقى أسير انتظار قد يطول. الإبداع في جوهره ليس مزاجًا ولا رفاهية، بل موهبة وممارسة وكثرة اطلاع. من يعتبر أن الكتابة مثل موج البحر تصعد وتهبط بلا تدخل منه، في الحقيقة يسلم زمامه للفراغ. أنا أرى أن لحظة الورقة البيضاء ليست اختبارًا للشغف، بل اختبارًا للإرادة الحقيقية.

فيصبح السؤال ليس هل الشغف يعود؟ بل: هل نملك نحن الشجاعة لنكتب حتى حين يغيب الشغف؟

حين يخفت وهج الكتابة… كيف نعبر أوقات فقدان الشغف؟

نعم، جزء من الاشتغال بالكتابة يحدوه الشغف ولكن هل نظل معلقين بهذا الشغف طوال الوقت أو هل هذا ما يجب أن يكون؟! أنا أتفق مع آراء الكتاب الكبار أمثال نجيب محفوظ مثلاً الذي عرفت أنه يجلس كل يوم إلى مكتبه في وقت معين ولوقت معين ويكتب وكأنه عمل لابد من الإنتهاء منه. أعتقد أنه نجح في ذلك لأن عادة الكتابة قد تربت لديه وتمكنت منه فكما يشرب أحدنا فنجان من القهوة يوميًا أضحت الكتابة إليه يسيرة سلسلة سيالة على هذا النحو. الفكرة أن تصنع عادة الكتابة في أجواء لا تغيرها بحيث يكون كل ما يحيط بالكتابة معين عليها.

أوافقك أن الشغف يخفت ويعود، لكنني لا أراه دائما بريئا أو ضروريا. أحيانًا يكون الفتور رسالة من الداخل أننا لم نعد نكتب لأجل أنفسنا بل لإرضاء الآخرين، أو أننا فقدنا الاتصال بالسبب الأول الذي جعلنا نكتب. في هذه الحالة، عودة الشغف تحتاج إلى مراجعة صادقة لا مجرد انتظار. 

الغريب أنني أكتشف دائمًا أن فقدان الشغف ليس عدوًا كما نتصوّر. أحيانًا هو مرحلة ضرورية، كهدوء البحر قبل أن يعلو موجه من جديد.

أعجبني تشبيهك للشغف بهدوء البحر لأنه فعلا قريب من الحقيقة فقدان الشغف ليس نهاية بل فترة طبيعية نحتاجها لنستعيد أنفسنا ونرى الكتابة بشكل أوضح هذا الهدوء يجعل عودة الكلمات أبسط وأقوى كأنها تعود نقية بعد تجربة وصمت الفتور لا يحدث فقط في الكتابة بل في كل مجالات الحياة سواء في العمل أو العلاقات أو حتى في السعي وراء الأحلام أحيانًا التراجع خطوة أو توقف مؤقت يجعلنا نعود بروح أقوى وإصرار أكبر كأن الشغف نفسه يختبر صدقنا ومدى تمسكنا به

أعتقد أن الشغف لا يرحل تمامًا، بل يبتعد قليلًا ليرى هل سنكمل الطريق بدونه أم لا، فهو لا يخوننا لكنه أحيانًا يتعب ويحتاج إلى راحة، ولا أظن أن الحل هو أن نحاربه بالقوة، بل أن نُهدئ قليلاً ونترك له مساحة ليعود بهدوء، أما الحل العملي فهو أن نبقى قريبين من الكتابة، حتى بكلمة واحدة في اليوم أو فكرة بسيطة نكتبها دون ضغط، فقط حتى لا ينقطع الحبل بيننا وبينها.

لا يرحل الشغف وأنما الروتين هو الذي يجعل الشيء نعتاد عليه حتى نمله