بمرور الوقت يتأكد لي بما لا يدع مجالاً للشك أنني أميل إلى البساطة وأفرّ من التعقيد فراري من الأسد، أبحث عن البساطة خاصة في الأمور المتعلقة بالتقنية وإدارة المهام والمشاريع وأي متطلبات إلكترونية.

تأكدت من ذلك مرتين: مرة الآن وسأتحدث عنها لاحقاً. ومرة قبل ٣ أعوام وسأبدأ بالحديث عنها:

حينما قررت تجربة نوشن notion، الغني عن التعريف الآن.. في البداية أبهرني التطبيق ومدى كفاءته واهتمامه بكل شاردة وواردة. تحمست وبدأت في استخدامه لكن سرعان ما اكتشفت مدى صعوبة التعامل مع كل هذه التفاصيل التي كان الهدف منها التبسيط، فلم تزد الأمور إلا تعقيداً وصعّبت عليّ خطوة البداية، عوضاً عن ذلك أغرقتني في محاولة تنظيم الصفحات والروابط والوسوم آخذاً وقتاً طويلاً جداً ولم أبدأ بعد في الإنجاز الحقيقي المطلوب أصلاً!

خطر لي تسمية هذه الظاهرة: التبسيط المعقّد. المبالغة في التبسيط توصل حتماً إلى التعقيد.

تركت نوشن برغم كل مميزاته، وبرغم الزخم القائم حوله وقتها فقد كان حديث السوشيال ميديا، رحت أبحث عن أداة أخرى بسيطة تفي بالغرض وإن كانت أقل في المميزات، ومملة من حيث الواجهة أو التصميم أو تجربة الاستخدام. لا يهم فأنا حددت أولوياتي: البساطة ولا شيء غيرها.

وجدت ضالتي في تريللو Trello، ومع الأيام أصبح رفيقي، عقلي الثاني كما يزعمون.

  • أضع فيه أهدافي، مهامي
  • جوانب أريد تطويرها
  • حياتي المهنية
  • حتى أني أنشئت عليه معرض أعمالي (بالتأكيد سأشاركه معكم لاحقاً)
  • كل أمور حياتي أتابعها من تريللو

وجدت فيه الخلطة السحرية التي افتقدها نوشن: البساطة دون تعقيد، الإبهار دون تكلّف واستعراض.

على ذكر تريللو. أنشأتُ لنفسي أسلوب شخصي في التخطيط باستخدام تريللو، ساعدني في إنجاز الكثير من الأعمال والمشاريع المهنية والشخصية زيادة إنتاجيتي اليومية، ورأيتُ إتاحة الأسلوب للجميع وشرحه بالتفصيل في كتيّب إلكتروني مجاني يمكن لأي شخص تحميله والاطلاع عليه.

رابط تحميل كتيّب التخطيط:

---

نعود..

أما الحديث عن المرة الثانية فهي حالياً وفي هذه الأيام حيث أحاول تجربة منصات مختلفة لإدارة النشرات البريدية والحديث عن ذلك ذو شجون. فأولاً: في منطقتنا العربية لا توجد سوى منصة وحيدة يتيمة لإدارة النشرات البريدية واسمها هدهد، وهي رائعة وأستخدمها منذ عامين تقريباً. والآن أغادرها لأسباب عدة سأسردها في تدوينة مخصصة بإذن الله.

ومؤخراً أعلنت ثمانية في تحوّلها الضخم عن إطلاق منصة عربية لإدارة النشرات البريدية، لكن أراهم تأخروا نوعاً ما وأنا أرغب باستئناف نشرتي البريدية واستغلال فترة الحماس التي تعتريني حالياً. فمن يستطيع الوصول إليهم يهمس في أذنهم بلطف: شدّوا حيلكم شوية يا شباب يعطيكم العافية!

نكمل.. طبعاً توجّهت مضطراً للمنصات الأجنبية، وما أكثر ما وجدت! العشرات من منصات إدارة النشرات البريدية وكلها تمتلك ميزات تنافسية قوية. هكذا المنافسة وإلا فلا، وهكذا المشاريع. وللمستخدم حرية الاختيار. 

المهم أنني اخترت منصتين فقط وغضضت الطرف عن البقية حتى لا أقع في فخ معضلة الاختيار. تحمّست كما العادة لتجربة المنصتين. المنصة الأولى اسمها Beehiiv. والثانية تدعى Email Octopus. في حال أنك تقفز الآن من مكانك لتخبرني: يا هذا، ألم تسمع عن منصة Substack أو صادفتها أثناء بحثك؟ مستحيل!.. عزيزي دعنا نؤجل الحديث عن سبستاك بضعة دقائق، لا تستعجل.

سجّلت حساباً في كل منصة منهما وبدأت باستكشافهما بإنشاء نشرة بريدية تجريبية لاختبار ميزات كلا المنصتين وتجربة محرر النصوص وما إلى ذلك.

مجدداً: التبسيط المعقّد، الإغراق في إضافة مميزات على حساب الميزة الأساسية الأهم: الكتابة! دعو الكاتب يكتب يا عالم. 

واجهتُ صعوبة بالغة في تحرير النصوص في كلتيهما إلا أن منصة Beehiiv تفوقت بفارق ضئيل على الثانية بمحرر أبسط وأكثر فعالية. وأما المعضلة الأكبر التي قضت تماماً على أي فرصة لاستخدام أي من المنصتين: افتقارهما لدعم اللغة العربية والكتابة بها (RTL). وهذه مشكلة كنت أظن أنني سأستطيع التأقلم معها، لكن التجربة كشفت لي حجم المشكلة وأنها غير قابلة للاحتواء. فلقد بذلتُ من المجهود والوقت في تحرير عدد واحد ما يكفي لتحرير أضعافه في منصة أخرى تدعم العربية.

أبداً لم تكن العملية سلسة ولا بسيطة. إلا أنني تمهّلتُ قليلاً كي أتواصل مع دعم المنصتين للاستفسار وربما الاستنكار حول تهميش لغة هي إحدى أكثر اللغات انتشاراً في العالم، يتحدث بها ما يزيد على 400 مليون إنسان! كيف للغة مثل هذه ألا تلقى دعماً في أغلب التطبيقات الأجنبية “الغربية”. أهي العنصرية؟ 

على كلٍ. مسؤولو الدعم في منصة Beehiiv أخبروني ألا نيّة لديهم في الوقت الحالي لدعم العربية، مقابل منصة mail octopus الذين أخبروني أنهم آسفون لعدم دعم العربية لكن هناك حل يعتمد على مدى معرفتك بالبرمجة، بالتحديد تحرير أكواد HTML يمكنك من الكتابة من اليمين لليسار وضبط الكتابة بالعربية. وهو حل لا أمتلكه حالياً.

 غاردتُ المنصتين غير نادمٍ ولا مُحبط. ما زالت هناك منصة يتحدث عنها الكثير تدعى substack. كان لديّ معرفة بالمنصة من قبل لكنها كانت معرفة ناقصة ومبنية على معلومة خاطئة لم أجتهد في تصحيحها مفادها: أن المنصة لا تتيح في الخطة المجانية سوى 300 مشترك فقط! وهذا ما اكتشفت بعد تصفح المنصة لمدة أسبوع والتعمّق فيها لاحقاً أنه أبعد ما يكون عن الصحة، بل العكس تماماً هو الصحيح: لا حدود لعدد المشتركين في نشرتك. اجمع ما شئت حتى وإن جمعت 100.000 مشترك، تظل المنصة بجميع مميزاتها مجانية.

بعدما عرفت كل ذلك دُهشت. بقي لديّ فقط التأكد من الأمر الأهم: تدعم الكتابة بالعربية أم لا، وخلال البحث لا أخفيكم سراً كنت أحاول عدم النظر للشاشة لا أريد مع كل هذه المميزات أن أجدها في النهاية لا تدعم العربية. لكن الحمد لله تدعم العربية بنسبة كبيرة جداً تقارب الـ 95%. الـ 5% الأخرى أمور بسيطة يمكن التأقلم معها.

ولهذه المنصة حقيقةً قصة نجاح تستحق أن تروى، كيف لمنصة لم يتجاوز عمرها 6 أعوام أن تتربع على عرش المنصات الجاذبة للكتّاب والناشرين وتحقق إيرادات هائلة بنموذج عمل مختلف وفريد من نوعه. صراحةً أنوي معرفة المزيد حول قصة صعود المنصة، ومن يعرف عنها أكثر يتكرّم بإفادتنا في التعليقات والنقاش. 

الشاهد من هذا كله حتى لا أطيل الحديث وأقع في فخ التعقيد الذي أكتب الآن لأشتكي لكم منه 

  • :البساطة تكسب 
  • ما يهم هو البدء بالعمل واتخاذ أولى الخطوات الفعلية، لا الإكثار من البحث عن أفضل الأدوات المناسبة والمثالية.