كيف أصبحت الجرائم الحقيقية سوقًا رابحة للمحتوى؟

اصبح هناك هوس بأدب وبودكاست الجرائم الحقيقية، مثل كتاب قارئ الجثث عن مذكرات التشريح الجنائي في مصر، أو سلسلة الجرائم الحقيقية لباسم شرف، وغيرها الكثير. انا لا اري في هذا النوع الا استهلاك آلام الآخرين كنوع من الترفيه والتسلية؛ نجلس في بيوتنا نشرب القهوة ونحن نقرأ عن كيفية تقطيع جثة إنسان أو تفاصيل فحصها وتشريحها، هل فقدنا التعاطف الإنساني البديهي لتلك الدرجة!

​من جانبي، لا يمكنني أبدًا فهم أو تذوق هذا النوع من الادب؛ فالقراءة عن الجرائم الواقعية لا تترك في نفسي سوى انقباض شديد وضيق يدوم لأيام. هناك فرق شاسع بين أن يستلهم الكاتب فكرة أو دافعًا لتبنى عليه رواية أدبية خيالية تعالج قضية نفسية أو اجتماعية، وبين الإصرار الفج على ذكر التفاصيل الدموية والتشريحية الحقيقية بحذافيرها والتأكيد على أن كل هذه الفظائع قد حدثت بالفعل للبشر. هذا الإفراط في التوثيق ليس أدبًا، بل هو تجارة صريحة بالوجع البشري واستغلال لفضول غريزي مظلم لدى القراء. بالتاكيد لم تنتهي الأفكار الإبداعية لدى الكتاب حتى صاروا ينبشون في ملفات القضايا والقبور بحثًا عن حبكة جاهزة تضمن مبيعات سريعة على حساب احترام حرمة الموتى ومشاعر الأحياء! 

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ayaavo أضف ردا

كنت جالسة مع فتاة صغيرة بعمر السابعة مؤخرا قريبة لي، وكنت احكي لها قصص صدمت أنها تطلب مني أن أحكي لها قصص رعب مثل هذه!! أنا شخصيا لا اتابعها بل الحوادث نفسها تجعلني أغلق أي شيء لأن هذا يؤثر عليه مهما كانت القصة مثيرة ورائعة وجذابة لا أتابع هذا النوع أبدًا ولكن هناك أناس يحبون هذا بل أقارب حتى الشخصية التي ربما قتلت أو حدث بها أي شيء يطلبون هذا كنوع من تسليط الضوء، هو جيد وتحقيقات وتسليط الضوء لكن أصبح تجاري بحت

الغريب ان توجيه قصص الرعب للاطفال - علي شكل حكايات الجدات - شئ ثابت في التاريخ الانساني ، هناك نظريات تفسر هذا بان القصص الماساويه او المخيفه تقوم بعمل تطهير او تنفيس للمشاعر

طرحك فيه نقطة مهمة فعلًا، لكن غالبًا كانت تُقدَّم في سياق رمزي أو تربوي، وليس بتفاصيل صادمة أو واقعية مباشرة كما يحدث في محتوى الجرائم الحقيقية اليوم.

الفرق هنا بين الخيال الرمزي الذي يساعد الطفل على فهم الخوف (هذا ليس معناه اني مع هذا النوع)، وبين تعريضه لقصص واقعية عن العنف والقتل قد لا يمتلك أدوات نفسية كافية لاستيعابها.

اعتقد ان الطفل لا يمكنه تمييز ان ما يراه علي الشاشه تمثل وحتي لو فهم ذلك فان طور النمو الذي يمر به سيؤثر علي شخصيته ولذلك انا مع التصنيف العمري .

طبعا فكرة التصنيف العمري ضرورية فعلًا كنوع من الحماية الإرشادية، لأنها تساعد الأهل على اختيار ما يناسب مرحلة النمو.

لكن حتي التصنيف وحده لا يكفي إذا لم يكن هناك دور فعلي للرقابة الأسرية والتوجيه، لأن الطفل قد يصل للمحتوى بسهولة من غير قيود. لذلك الأفضل يكون في توازن بين التصنيف العمري كإطار عام، وبين متابعة الأهل وتوعيتهم بكيفية استخدام الطفل للمحتوى.

بالضبط، المشكلة ليست في النوع نفسه بقدر ما هي في طريقة تقديمه وحدود استهلاكه، خاصة عندما يُنقل إلى فئات عمرية غير مناسبة. لذلك ربما الإشكال الحقيقي ليس في وجود هذا المحتوى، بل في غياب الوعي في كيفية عرضه واختياره، وليس كل اهتمام به يعني بالضرورة تبلّدًا إنسانيًا أو بحثًا عن الإثارة فقط.

لان هناك فرق بين تقديم محتوى صادم بهدف الإثارة فقط، وبين أعمال تحقيقية أو توعوية تحاول فهم الجريمة، تحليل دوافعها، أو تسليط الضوء على قضايا مجتمعية مهمّة مثل العنف أو العدالة أو أخطاء التحقيقات.

أنا نفس الشيء، أتأثر كثيراً بمثل تلك القصص. لا أقربها. في حياتي لم أقرأ في أدب الجريمة والغموض. لكن مثل هذه القصص لها جمهورها الواسع ونحن نعلم أن القراءة أذواق وكاتبها ربما برع في ذلك النوع من الكتابة أكثر من غيره كما أنها لا تكون جرائم فقط، هناك تفاصيل أخرى حول الأماكن والشخصيات والتفاعلات تجعل العمل الأدبي مميز. من المسلسلات المحببة لدى المصريين ريا وسكينة رغم أن المسلسل يتحدث عن جرائم لكن به تفاصيل الناس أحبوها.

أتفهم وجهة نظرك، وهي مهمة لأنها تفرق بين رفض المحتوى من حيث الذوق الشخصي وبين محاولة فهم سبب انتشاره. صحيح أن الأدب أو الأعمال التي تتناول الجريمة لا تقوم فقط على الدموية”ط، بل أحيانًا تقدم بناء درامي قوي، وشخصيات معقدة، وسياقات اجتماعية أو تاريخية تجعل القصة أوسع من مجرد الجريمة نفسها. لكن هذا لا يلغي الإشكال أن جزءًا من هذه الأعمال قد يبالغ في عرض الألم أو تحويله إلى عنصر جذب بحد ذاته.

وهناك قنوات يوتيوب تشرح قصص الجرائم للتسلية كسامح سند مثلاً، هذا يجعل الجريمة مألوفه ثم يجعلنا نخشى من كل ممن حولنا لأننا نرى تواتر هذه الجرائم وكيف أنها كثيرة جدا جداً ولأسباب عدة ومن أشخاص مثلنا قد يبدوا طبيعيين، تكرار مشاهدة هذا المحتوى بكثرة يجعلنا نتأثر منه في العديد من الجوانب ولا أدري لماذا الدولة تترك مثل هذا المحتوى هكذا دون تدخل على الأقل تدخل دراسي يُحلل مدى تأثير هذا المحتوى نفسياً لمعرفة مدى خطورته أم لا خطورة له

هذا جزء معروف في علم النفس الإعلامي يُسمى متلازمة العالم الشرير حيث يعتقد المشاهد أن العالم أكثر خطورة مما هو عليه فعليًا بسبب كثافة التعرض لمحتوى الجرائم.

الفكرة ان بعض متابعي هذا المحتوي يبررون فعلا ؛ انه يقدّم توعية بأنماط الجرائم وطرق حدوثها، أو يسلّط الضوء على قضايا جنائية واقعية قد تساعد في الفهم العام أو حتى الحذر. أما فكرة تدخل الدولة أو تقييمه علميًا اظن ان تطبيقها عادة يكون معقدًا بسبب تداخل حرية التعبير مع تنظيم المحتوى، لذلك يبقى الحل العملي هو رفع الوعي النقدي لدى المتلقي بدل الاعتماد فقط على الرقابة.

عن نفسي لا اقرا ابدا هذا النوع من الكتب ولا انكر اني اتاثر بسماعي او مشاهدتي لمثل هذا ولكن من الاحسن تجنبها.

بالضبط انا افكر احيانا ما وجه المتعة لمحبي هذا النوع لدرجة اشعر أحيانا انهم بالتأكيد بداخلهم نوازع سيكوباتية 😅

ن الجرائم الواقعية لا تترك في نفسي سوى انقباض شديد وضيق يدوم لأيام. هناك فرق شاسع بين أن يستلهم الكاتب فكرة أو دافعًا لتبنى عليه رواية أدبية خيالية تعالج قضية نفسية أو اجتماعية

انت يؤذيك ان تعرفي ان هناك اشخاص عانوا بالفعل وهذا طبيعي ، ولكن لو ماذالو كانت الرواية خيالية ؟ لماذا يستمتع الانسان اصلا بالقراءة عن الاحداث المروعه ؟ لما اقوم بتحميل فيلم رعب واشاهده ؟

الإنسان غالبًا من المفترض ان لا يستمتع بالأذى بحد ذاته، بل يستمتع بتجربة الشعور بالخوف داخل مساحة آمنة. في أفلام الرعب أو القصص الخيالية، العقل يعرف أنه ليس في خطر حقيقي، فيتحول الخوف إلى إثارة أدرينالين، وشعور بالتشويق والسيطرة في نفس الوقت كأنك تعيش تجربة خطيرة لكن من غير ما تدفع ثمنها الواقعي، رغم اني لست من محبي افلام الرعب ايضا.

واظن انه أحيانًا بيكون مجرد فضول أو عادة استهلاك، وأحيانًا بيكون هروب من مشاعر تانية أعمق. لذلك السبب موجود، لكن دلالته تختلف من شخص لآخر ومن سياق لآخر.

كتابات الجريمة الحقيقية تعتبر كنز لدارسي الجريمة و علم النفس الجنائي ، و تعمل كمصدر و مرجع في سن القوانين . كالعادة نحن نذهب بسهولة إلى افتراض زيادة المبيعات . ولكن تلك الكتب تنفع و تزيد علم ناس يحتاجونها.

لكن هذا لا ينفي أن جزءًا كبيرًا من انتشاره اليوم موجّه أساسًا للجمهور العام بهدف الترفيه والإثارة. المشكلة ليست في وجود هذا النوع كمرجع متخصص، بل في تحويله إلى منتج استهلاكي يُقدَّم بنفس أسلوب الترفيه، حيث تُعرض تفاصيل الألم والمعاناة بشكل جذاب لزيادة المشاهدات. لذلك لا يمكن تعميم الفائدة العلمية على كل المحتوى أو تبرير كل أشكاله، لأن السياق وطريقة التقديم هما ما يحددان إن كان عملًا معرفيًا فعلاً أم مجرد تسويق لقصص مأساوية.

هذا دخول في نوايا الناس. ربما يكون يعرض تفاصيل الألم و المعاناة ، من باب صدق التصوير . حق الكاتب أن يكتب ، واذا شعر أهل الضحايا مثلا بالضيق ، يمكنهم مقاضاته. لكن الكاتب يجب أن يظل حر.