في قاعة شُيدت من ضبابِ الظنون وزُينت سقوفها بمرايا خادعة، كان مرهس يتربع على عرش منسوج من خيوط الحيرة، وحوله حشود من الوجهاء والأعيان، منهم من تاه في دروب الكلام المعقد فظن الغموض عمقاً، ومنهم حراس يدركون سر اللعبة ويغلقون النوافذ كي لا يتسرب هواء الواقع البارد.
كان مرهس يتحدث في مجلسه حديث الواثق، يخفي في طيات صوته قلقاً لا يدركه سواه، يوجه كلامه للعلية وهو يكثر من ترديد كلمة تؤرقه، يوهمهم أنه يصف حالاً بينما هو يعني عدواً يتربص به، يقول لهم: احذروا من كل وهج يلمع في الأفق، فليس كل وهج نوراً يهتدي به السائرون، إن الوهج الذي لا ينبثق من مشكاتنا هو حريق يحرق العيون، وعليكم أن تطفئوا أي وهج غريب بظلام قناعاتكم الراسخة.
أومأ الحاضرون رؤوسهم موافقين، لا يدركون أن سيدهم يرسل رسائل خوف مبطنة من خصم قادم، وبعد أن أنهى حديثه المليء بالتلميحات، انفض المجلس وخرجت الحشود، وأوصد الحراس الباب الضخم خلفهم، ودارت الأقفال في مواضعها ستمائة وستة وستين مرة، ليخلوا الجو لمرهس في عزلته الحصينة التي ظن أنها لا تُخترق.
ولكن، ومن حيث لا يحتسب، وفي قلب القاعة التي ظن أنه أحكم إغلاقها، ظهر وهج، لم يأتِ من باب أو جدار، بل كان حضوره حتمياً كطلوع الصبح بعد ليل طويل، لم يحتج لإذن، فالواقع لا يستأذن ليكون موجوداً.
نظر وهج إلى مرهس نظرة هادئة وثقيلة، ونطق باسم غريمه ثلاث مرات:
مرهس.. مرهس.. مرهس.
كان النداء تجريداً للاسم من هيبته، وإعلاناً بأن الحواجز والأقفال الكثيرة لا تمنع الوصول.
حاول مرهس أن يتماسك رغم المفاجأة، ففرد ذراعيه ليشير إلى مملكته الخالية الآن إلا منهما، متباهياً:
هذا هو عرشي، وهذه هي مملكتي، لقد وصلتَ إلى هنا، لكن اعلم أنك إن هزمتني جسداً، فقد نشرت في العقول أفكاراً هيهات أن يتم فصلها، إنها شبكة معقدة نُسجت بمهارة، وإن أردت هدم كل هذا البنيان، فأنت الخاسر، لأن تلك الأفكار قد سرت في العروق.
لم يهتز وهج، بل واجه سيد المتاهة قائلاً:
إنهم يظنون أنك قوي، مخدوعون بتلك الأضواء الملونة التي تضعها بجانبك، وبصوتك الذي يرتل المغالطات كأنها بديهيات، يا مدعي المعرفة.
تغيرت ملامح مرهس وسقط قناع الثقة، فسأل بجدية:
لقد كشفتني، فماذا أنت بصانع؟
رد وهج بسؤال كان هو الجواب:
هل تعلم أني غلبتك؟
انحنى مرهس قليلاً، وهمس باعتراف مرير:
أنت فقط من يعلم ذلك يا وهج، أما هم فلا يرونني على حقيقتي إلى الآن، ما كنت أظن يوماً أن عقلاً بشرياً سيفكك شيفرتي ويهزمني، أقر لك بالواقع الذي بحثت عنه، لقد هزمتني، لكنك لن ترث مملكتي، لأنني رميت بالشراك على أدق تفاصيل المعرفة.
قال مرهس جملته الأخيرة بإنكسار:
لقد انتصرت يا وهج.
رد وهج بأسف:
ليتني أستطيع محوك تماماً، لكن الأفكار لا تموت بالطعن.
قام مرهس عن العرش، وسقطت عصاه التي كان يتكئ عليها وتدحرجت بصوت مكتوم، تقدم وهج وأخرج كتاباً أزرق اللون يحمل معرفة موثوقة وراسخة، ووضعه فوق مقعد العرش.
في لحظات، لم يحتمل الزيف ثقل الكلمة الصادقة، فحدث ما يشبه الانفجار الصامت، تهاوت أركان المملكة، وتناثرت الجدران كغبار، وتبخرت الأوهام الهشة أمام صلابة الواقع.
وقف وهج وسط الركام سليماً، بينما تردد صدى صوت مرهس من بين الأطلال:
انتصرت يا فتى بعقلك علي، لكن أثري سيزول في النهاية البعيدة، أما الآن فهو لا يزال يدب ويوهم من لم ينتبه.
حمل وهج الكتاب الأزرق وسار به نحو أفق جديد، ليودعه في غرفة شاسعة، ليكون حصناً ومرجعاً لمن أراد أن ينجو بنفسه من شباك مرهس التي لا تزال تنتظر الغافلين.