الأغلفة الباهتة تجعلنا نظلم الكتب القديمة ؟

كان لدي كرتونة كتب وصلتني قديماً من صديق لوالدي، كانت تضم إصدارات مهرجان القراءة للجميع؛ كتب بسيطة، أوراقها تميل للاصفرار، وشكلها الخارجي لا يوحي بأي جاذبية. لسنوات طويلة تركت تلك الكرتونة مهملة لأن مظهرها لم يشجعني لكن في لحظة ملل، سحبت منها كتاب "العبرات" للمنفلوطي، وكانت تلك هي اللحظة الفاصلة؛ اكتشفت كنزاً أدبياً غير مجرى ذائقتي وجعلني أطارد كل ما كتبه المنفلوطي لاحقاً، وأدركت أنني كنت سأخسر هذا الجمال بسبب انطباع بصري زائف.هذا الموقف جعلني أفكر في فكرة الانخداع بالغلاف التي نقع فيها جميعاً؛ فنحن نعيش الآن في عصر تُصرف ميزانيات ضخمة على الاغلفة اللامعة لجذب العين، حتي أصبحت الكتب القديمة والورق المصفرّ رغم قيمته، لا يجذبنا حتى لفتحه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

بلعكس يا نهى، انا كقارئة لا يشدني الإ الكتب القديمه مصفرة الأوراق ذات الرائحه الورقيه، تلك هي المثريه ،غالبًا ابحث في المكاتب القديمة عن هذه الكتب ، المشكلة في أننا ننظر للأغلفة وما يروج له من كتب في السوشيال ميديا وفي الحقيقه هناك كتب لا تستحق حتى النشر لما فيها من ضعف للافكار والمحتوى المكرر، ولقد اكتشفت قبل اشهر مكتبة قديمة لكتب قديمة جدًا جدًا بطابعها وتغليفها القديم تتعجبين من التحفه الفنيه التي بين يديك ومن جودة التغليف وكتابه العناوين لا اعرف ما هي الماده التي غلفت بها لكنها ليست ورق تشبه لحدما القماش والعنوان مكتوب بطريقه كأنها3Dوبارز. والمحتوى والسرد للمواضيع بباطه ومفردات بسيطه لكنها قويه في ذات الوقت وتشدك لإكمال الكتاب في اوقات قصيره.

عندي فضول لمعرفة هذه المكتبة.

هذه مكتبة في المعهد الذي اعمل فيه ،مهمله نوعًا ما، لكن ما تحتويه من كتب تجعلك اسيرًا فيها طبعًا لمحبي القراءة، اعتقد ان هذه المنصه لا تتيح ارسال صورًا ولا ارسلت لكي بعض الكتب التي من عهد الاتحاد السوفيتي طباعة وتغليف. وغيرها من المجلدات القديمة

انها كآلة زمن حقيقية وفعلا فرصة ثمينة، اكتشافك لها يشبه العثور على كنز غالي، فالمتعة الحقيقية في الكتب التي غطاها الغبار وتنتظر من يقدر قيمتها وتاريخها.

على الرغم ان بعض الآراء صادمة حول إصدارات الاتحاد السوفيتي انها كانت مجرد أدوات للدعاية السياسية لا غير وبها مغالطات تاريخية كثيرة. لكني احب كل ما هو قديم كنوعاً من الحنين لزمن مضى.

التعلق بالكتب القديمة ذات الأوراق المصفرة والمجلدات القماشية ليس مجرد هواية، بل هو انحياز لجودة حقيقية كانت تحترم عقل القاري، مما يجعل العودة لهذه المكتبات المهملة بمثابة رحلة للبحث عن الصدق المعرفي والفني الذي افتقدناه في عصر السرعة والاستسهال.

​للاسف يرى البعض أن هذه المجلدات العتيقة قد تحول إلى نوع من جمع الأنتيكات الذي لا صلة له بجوهر القراءة، و أن المعرفة يجب أن تكون ابنة عصرها. وكأن حب المجلدات القديمة هو مجرد هروب عاطفي نحو الماضي، لأن الكثير من محتواها قد تجاوزه العلم أو تغيرت السياقات الاجتماعية التي كُتبت فيه، ولا انكر حتي لو معهم حق ساظل احب الكتب القديمة 😅

لفتني في هذه التجربة أنها لا تكشف فقط ظلمنا للكتب القديمة بسبب أغلفتها الباهتة، بل تكشف تحوّلًا أخطر في داخلنا نحن كقراء. المشكلة ليست في الغلاف،بل في تعوّدنا على الاستهلاك السريع والانطباع الأولي

كثير من الكتب القديمة لم تُصمَّم لتُباع بسرعة، بل لتُقرأ ببطء وتُهضم على مهل. ربما نفورنا منها اليوم لا يعود لشكلها فقط، بل لأننا فقدنا الصبر على النصوص العميقة التي لا تمنح مكافأة فورية.

فكرة فقدان الصبر على النصوص العميقة هي فعلاً مأساة ثقافية. مما قد يجعل الانبهار بالأغلفة الحديثة ليس مجرد سطحية، بل هو ظاهرة نفسية انتقائية أمام طوفان المعلومات؛ فنحن نعيش في عصر يغرقنا بآلاف الإصدارات، مما جعل الغلاف الجذاب بمثابة بوصلة لتوفير الوقت، والنفور من الكتب القديمة قد لا يعود لضعف محتواها، بل لأنها تذكرنا ببطء زمن لم نعد نملك ترفه، وكأننا نهرب من ثقل المعرفة التي تتطلب مجهوداً ووقتا لانملكه الان.

فكرة جميلة جدًا وتوضح جانبًا مهمًا من حياتنا المعرفية اليوم. صحيح أن الغلاف الجذاب أصبح أحيانًا بوصلة للانتباه وسط طوفان المعلومات، لكن يمكننا أيضًا رؤية ذلك كفرصة للاختيار الواعي: بدل أن نعتبر الكتب القديمة عبئًا، يمكننا أن نعيد اكتشاف قيمتها بتخصيص وقت لها بشكل متدرج، أو البحث عن نسخ مبسطة أو مشروحة لتسهيل البداية.

الجانب الإيجابي هنا هو أن الوعي بما يمر بنا يجعلنا نختار القراءة بعمق حين نستطيع، ويعزز تقديرنا للمعرفة التي تتطلب وقتًا وجهدًا، بدل الانبهار الفوري بما هو سطحي فقط. بهذه الطريقة، يمكن أن يكون الغلاف جذابًا للانتباه الأول، لكن الجوهر والمعرفة الحقيقية لا تزال في متناول من يصر على البحث عنها وهناك أشخاص كثيرون يحنون الى الماضى وكل ما هو قديم .

احيانا في نقاشات مع اصدقاء لي لا يؤيدونني في فكرة تقديس الماضي والكتب القديمة وانه قد يتحول أحياناً لـ فخ ذهني يمنعنا من رؤية جمال وإبداع الحاضر؛ ويرون ان كل عصر له أدواته، والتركيز على صعوبة القراءة القديمة كمعيار للجودة قد يكون نوعاً من التعالي الفكري الذي يحرمنا من نصوص حديثة عبقرية لكنها اختارت البساطة لغة لها. لكن الحقيقة ببساطة ان الجوهر ليس مرتبطاً بقدم الورق أو حداثة الغلاف، بل بمدى قدرة النص على ملامستنا.

تجربتك تعلمنا أن المثل الذي يقول: الجواب باين من عنوانه ليس صحيح على الدوام بل قد يخطئ أحيانًا. ولذلك لا يصح أن نننخدع بالمظهر دون الغوص وراء اللباب فنفتش عن حقيقته.

فنحن نعيش الآن في عصر تُصرف ميزانيات ضخمة على الاغلفة اللامعة لجذب العين،

وقد تكون لا تستحق ثمن الغلاف البراق كالمثل القائل: من برة الله الله ومن جوة يعلم الله أو قول المتنبي يحذر سيف الدولة من الإنخداع بالمظاهر:

أعيذها نظرات منك صائبة ....... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

بالفعل مثل الجواب باين من عنوانه ممكن يكون أكبر فخ نقع به وبسببه نخسر كنوز حقيقية. لكن يجب ان نجعل ذلك دافع لنبحث جيدا عن القيمة الحقيقية وليس الشكل المبهر.

نحتاج ان نمرن اعينينا إنها تنظر للجوهر ولا تنظر للشحم مثلما قال المتنبي بعبقرية، لأن الاستسلام للأغلفة اللامعة يجعلنا مجرد مستهلكين للدعاية ليس قراء حقيقيين.

ليس فقط في الكتب، وكذلك في الناس أيضًا. بعض الأشخاص المحترفين في مجالاتهم لا يعرفون كيف يعبرون عن أنفسهم أو كيف يلمعونها ليظهروا وسط هذا العبث، فينتهي بهم الحال "ليس في كرتونة بالطبع" ولكن دون أن يهتم أحد لما يقدمونه، في حين يتفوق عليهم هؤلاء الخاويين من الداخل ولكن منظرهم حلو من الخارج.

هذا يجعلنا نري إن فكرة الغلاف اللامع لم يصبح مجرد زينة، لكنه تذكرة دخول للحياة المهنية، ومن لا يعرف تلميع نفسه والتسويق لها يضيع حقه وسط الزحمة. لذلك لا نستطيع ان نلقي اللوم على الاشخاص الخاوية لكنهم لامعين، لكن اللوم ايضا على المحترفين الذين يكتفون بالتميز في العمل.

مهارة العرض أصبحت جزء لا يتجزأ من الاحترافية نفسها، ومن يرفض ان يطور مهارة التعبير عن نفسه كأنه يقدم هدية غالية جداً لكن في حقيبة رديئة.