لا يوجد أي دور حقيقي لأي محرر في العالم العربي, والدور الوحيد, والكبير يكون للموزع؛ فعمليتي النشر قائمة بالكاملة على استقبال و(شراء) النص الكتابي (أو الصوتي أو البصري) من خلال عملية التحرير, وهي عملية لم يعد لها أي قيمة بالنسبة للمؤسسات الكبيرة, بينما المؤسسات الصغيرة تستعيض عنها بأنها بدلا من أن تدفع, ترغم كاتب النص على أن يدفع من أجل النشر, وللأسف, البعض, لا أقول غبي, بل ساذج كفاية ليفعل ذلك.

العملية الثانية والأكثر أهمية بالنسبة للناشرين اليوم، بعد الناشرين وعملية الشراء، هو دور الموزع, وذلك لأن التوزيع هو عماد عملية البيع, وأذرعه التي يصل بها الناشر إلى المزيد من البيع. وهذه الحركة, هي التي تدر مالا سواء كانت البضاعة جيدة أم سيئة, وعليها يقوم اقتصاد النشر بشكل شبه منفصل عن الاقتصاديات المعرفية الأخرى. واقتصاد المعرفة بالإضافة إلى كونه قائم على استيراد المعرفة، هو أيضا الاقتصاد القائم على توليد المعرفة وتوزيعها وتوظيفها, ويعني ذلك استخدامها في مناحي شتى وكونها -المعرفة- المحرك الرئيسي لأي نمو اقتصادي. ولكن من ناحية عملية يمكننا تقسيم اقتصاد المعرفة إلى قسمين رئيسين؛ اقتصاديات المعرفة, واقتصاديات النشر. اقتصاديات المعرفة هي تلك التي ينطبق عليها التعريف السابق دون أي تفصيل زيادة في الموضوع, أما اقتصاديات النشر فهي المعنية بنشر (المعرفة) والاستفادة المادية من وراء نشرها. تأتي هذه الاستفادة على إحدى صورتين؛ إما الاستفادة المباشرة من خلال الدفع النقدي مقابل تحصيل هذه المعرفة (مثل الاستفادة من المستشارين القانونيين والماليين والتعليم التقليدي أو الحرّ وخلافه), وإما الاستفادة الغير مباشرة من خلال مشاركة النشر ضمن أدوات التسويق (والاقتصاديات المعرفية الأخرى) في التنمية التوسعية (اللوجستية) للمشروع القائم. ومن أمثلة النوع الأخير البيع المباشر للكتب الورقية والرقمية والصحف والمجلات وغيرها من المطبوعات النصية أو الصوتية. أيضا من أمثلته نشر المعرفة النصية أو الصوتية أو حتى البصرية من خلال كتب مصورة, أو من خلال وسائط البث المباشر أو حتى من خلال حفلات العرض المباشر والندوات الثقافية والملتقيات والنوادي وورش الكتابة أو التنمية الذاتية. حيث يحصل المحاضر على مبلغ مجتزأ من نسبة الأرباح عن تذاكر دخول الطلبة والوافدين إلى محاضرته للاستماع إلى ما يفيدهم منه, وقد تكون التذكرة, ليس بحجز كرسي, بل مجرد مفتاح مسلسل من الأرقام يسمح بفتح نافذة لمشاهدة المحاضرة رقميا على الشبكة بحضور الجميع وهم في بيوتهم, وبشكل حصري ومباشر وحتى ربما يكون مسموح بالتفاعل وتلقي الأسئلة فالإجابة عنها. ومع التداخل العميق لاقتصاديات النشر مع صور اقتصاديات المعرفة الأخرى, يمكننا التعرف على النماذج السبعة -ربما أكثر- التي لا تخرج عن أحدهما جميع صور اقتصاديات النشر, وهي 1-الكتابة 2-القراءة 3-التحرير 4-التوثيق 5-الطباعة 6-التسويق 7-الترجمة. هذه هي ثنائية الفن وصناعة النشر, أو الفن وصناعة السينما, أو الفن وصناعة الترفيه. فنحن نلحظ إلى حد كبير, أن معالم الترفيه الرائجة في العالم, والمنتجة للثقافة السائدة هي -الإعلام والسينما -الإعلام والنشر -الفنون بأنواعها -الترفيه بأنواعه. فنلحظ أن أهم مشاهير العالم هم نجوم السينما والرياضة والإذاعيين وعارضي الأزياء وحتى بعض الناشرين والمدونين الكبار (في العالم الغربي). ولكل مهنة أو وظيفة تأثيراتها الثقافية الشديدة والمستمدة قوتها من الحشود الجماهيرية التي تتابع هؤلاء النجوم. وأقصد بها الجانبين؛ القراءة من قبل القراء, والقراءة من قبل الناشرين, وقد يقع النقاد موقعا ثالثا بين الاثنين. وربما ننسب النقاد إلى فئة الناشرين, والناشرين, يفترض بهم أن يكونوا محررين. والتحرير أنواع؛ عملية دقيقة تشمل عمليات أخرى مثل التحقيق؛ الهوامش, والمصادر, والصور, وأي محتويات أخرى ضمن المتن أو الحواشي, الحواشي تشمل أشياء عديدة, بدئا من العتبات النصية (العنوان والغلاف وخلافه) مرورا بما تحت الغلاف مباشرة؛ من تقديم وتصدير وتمهيد وإهداء وخلافه, وصولا إلى ما يرافق المتن / النص من تعليقات وحواشي وترجمة مصاحبة أو هوامش لأمور مختلف من مصادر أو مراجع أو شرح أو تفسير أو خلافه. ولكن الجميع يتعامل معها (الكتب والنشر) على هذا المبدأ؛ اقتصاد للنشر, وليس نشرا للثقافة. وانظر إلى حفلات توقيع الكتاب وبيع الكتاب لأنفسهم دليلا على ذلك. إلا من رحم ربي بالطبع، فالبعض كاتب أو ناشر، يجيد التسويق لنفسه بشكل محترم وفعال, ومن هؤلاء أذكر مصطفى الفرماوي الناشر والموزع الكبير (من حيتان النشر في مصر والعالم العربي) الذي يركز دائما على دعم الكتب والتسويق لها, وفتح منبر للتحرير منتقلا من التوزيع إلى التحرير. حسب ما سمعت أنه ترك مجال النشر, أحسب أنه لم يترك النشر من حيث التوزيع, بل انتقل فقط إلى التحرير، لأني سمعت أنه عاد إليه، ربما صار أقرب إلى نوع من الواجهة المحمودة والصالحة للتوزيع.

ولكن وبعيدا عن هذه النماذج الناجحة, يظل دور المحرر في العالم العربي، غائبا تماما وبكل أشكاله المذكورة أعلاه. إن التحرير الأدبي معناه تحرير النص من مجموعة من الغوالق والعقبات، فالنص يظل حبيس عقل الكاتب، فيأتي المحرر ويحثه على توليد أفكار من خلال مقترحات يعرضها عليه. وربما يكون النص حبيس أدراجه، فيأتي المحرر ويعرض نشر النص بعد مروره بمراحل عدة، منها لجنة للقراءة والتقييم والحكم، هذا بعد القراءة الأولية بالطبع، ومنها التدقيق اللغوي، التنسيق الطباعي، تصميم الأغلفة، وربما أيضا الرسوم المصاحبة للعمل. ويستمر التحرير للعمل إلى ما بعد صدور العمل، من خلال التسويق، وصدور طبعات جديدة، أو اجترار أجزاء وأعمال أخرى قد تحمل نفس الطابع.

يتمثل دور المحرر، في إنشاء دوريات ثقافية، اكتشاف مواهب جديدة، ودعم الجهود والمواهب الصاعدة, وتتبع متطلبات السوق عبر الشبكات الاجتماعية ومحاولة التوفيق بينها وبين الضروريات الثقافية والتي يفرضها علينا المجتمع فعلينا ألا نعيش كالنعاج أو ما هو أسوأ (وصدقني هناك أسوأ). لاحظ أنه في الغرب، هناك اختراع اجتماعي جميل اسمه (الوكالة الأدبية) حاولت في إحدى مشاريعي الفاشلة أن أؤسس لدور (المحرر) كما جاء في المشروع. المحرر هذا لا يرضى بأي شيء ولا يرضيه شيء. كل القصص والأعمال الأدبية تقريبا يمكن تلخيصها في سطر واحد تكشف تماما عن الغث من السمين. قبل أن ينضم المشروع إلى رف المشاريع المائة ضمن المشروع الأكبر للمكتبة الشاملة، والذي يشمل مشاريع مثل المحرر (أو الوكيل الأدبي العربي)، والمحرر الرقمي، والطابعة الرقمية.

ماذا عن دور النشر؟ كلها سواسية، وحتى أحسنهم، فهو من باب أفضل الأسوأ، أو لنقل الأقل سوءا يكون دائما هو الأفضل، عندك مثلا دار كتوبيا، نشأت في البداية, وعلى غرار عصير الكتب، كدار نشر مستقلة تحاول أن تحارب احتكار الدور الكبرى للأدب والثقافة, ثم صارت قوائمها مزدحمة, وأبواب استقبال الأعمال الجديدة دائما مغلقة أو معلقة إلى حين!. أصبحت هي نفسها دور نشر كبرى. أنا دائما أقوم بتقييم دار النشر من خلال علاقتها مع الكاتب من ناحية, ومن خلال علاقتها مع الموزع من ناحية أخرى. هذا هو المهم. أما ادعاء وجود علاقة مباشرة مع القارئ فأنا لا أؤمن به، وكل ناقد هو أجير بشكل أو بآخر حتى كاتب هذا المقال طالما يدفع له!.