قال بنصف ابتسامة وشيء من التنهيد:
"سرعان ما تمتلئ المقاعد بأشخاصٍ جدد..."
لم أكن أعرفه، وربما لم ألحظ وجوده وأنا أكتب رسالة في هاتفي المحمول، وكل ما أردته وأنا أمر من هذا المكان هو أن أجد مقعدًا أقضي عليه ثلاث دقائق ألتقط فيها أنفاسي وألتهم قطعة ساندويتش، ثم أنطلق.
وجدت نفسي بجانبه على المقعد الخشبي، وسط حلقة من أشجار الليمون التي تساقط منها الضوء والزهر..
كان الرجل في منتصف السبعينيات، أو ربما بداية الثمانينيات، يحمل ملامح من ألِف الوداع واستساغ طعمه المر..
كان يتظر إليَّ وكأنني أحتل مساحة من قلبه لا من مقعد في طريق عام..
نظرت إليه بعينٍ لا تُجيد السؤال، بل تهمس بالتفهم، فأكمل حديثه دون أن ينتظر مني رداً:
"الحياة لا تأسى على أحد،انظر من حولك... الأرض تدور، وملايين الأقدام تلحقها دون توقف،الوجوه تتغير، والمقاعد تمتلئ، ولا أحد يكترث بمن يغادر، إلا نادراً...
لن تجد عيناً يعقوبية فياضة في هذه الحياة."
لم أكن فضولياً...
لكن شيئاً في صوته، في انكسار نبرته، جعلني ألتفت إليه وأقول بهدوء: "لعلّي جلست مكان أحد يخصك؟"
ابتسم دون أن يندهش من سؤالي وقال بحرقة: "سيدة مسنّة، بيدها عكاز وبالأخرى كيس فيه خبز ساخن
اقتربت مني، شاركتني خبزها وعمرها ثم لبت نداء الحياة للمحطة الأخيرة..
اما الآن فالذكريات تجلس بجانبي، تأخذ مني القليل وتترك القليل للأيام القادمة..
وفي اللحظة التي كاد فيها الصمت يبتلع كل شيء،
مرّ طفلٌ صغير، لا يتجاوز السادسة، يركض بخفة، يحمل في يده بالون هيليوم أحمر، يتمايل مع الريح.
تعلقت أنظاري بالبالون، فأشار إليه العجوز قائلاً، وكأن الطفل وبلونه خُلقا من العدم ليكملا فكرته
التفت إليّ، وابتسم ابتسامة صغيرة فيها حكمة الطيبين الذين رأوا كل شيء، ثم قال:
"تعرف؟ أحيانًا أتمنى لو كنا مثل هذا الطفل...
نضحك دون أن نحمل الأرض فوق أكتافنا،
نركض وراء الفرح حتى لو كان مربوطًا بخيط هش،
نلعب إلى أن تفتح الحياة بابها وتخرجنا مع الخارجين لتدخل مجموعة أخرى يجوبون الحياة فترة من الوقت.."
تركته هناك، يجلس بثباته المعتاد، كأنه جزء من المقعد، أو ظلّ شجرة يعرفها جيدًا.
قمت ببطء، ونفضت عني فتات الساندويتش وبعضًا من الثقل الذي لا أدري متى التصق بي.
قلت له قبل أن أمضي:
"أتمنى أن تظل الذكريات رفيقة طيّبة لك."
هزّ رأسه مبتسمًا، وكأنه يباركني بصمت.
مضيت في طريقي، لكن خطواتي كانت أبطأ مما اعتدت،
كأن حديثه ترك شيئًا خلف ضلوعي لا يُرى لكنه يُحَس…
كنت أفكر في البالون، في الخيط، في المقاعد التي تمتلئ،
وفي الحياة التي لا تأسى، لكنها تترك ندوبًا في الأماكن التي مررنا بها.
تساءلت إن كنا جميعًا نحتاج إلى مقعد تحت شجرة ليمون،
نضع عليه همومنا، ننتظر فيه أحدًا يمر،
أو نكتشف أننا كنا نحن الزوّار العابرين في قصص الآخرين… دون أن ندري.
التعليقات