كيف يصدق الناس معلومات ساذجة لمجرد ارتدائها معطفا علميا؟ من كتاب Bad Science

بين جولدكير في كتابه الشهير Bad Science يحكي لنا عن معلومات ساذجة يخبرها المعلمون لطلابهم في المدارس البريطانية. التلاميذ يُحكى لهم أنهم إذا هزوا رءوسهم للأعلى والأسفل سيحسنون من الإمداد الدموي للفص الأمامي، مما سيحسن من تركيزهم. يُدرَّسون أنهم إذا "دَلكوا" منطقة معينة من قفصهم الصدري يسمونها "أزرار المخ" سيوقظون الشرايين السباتية، مما سيحسن تدفق الدم للمخ. يُدرسون أنهم إذا حبسوا مقدارا من الماء فوق ألسنتهم فسوف يرطبون المخ مباشرة عبر قاعدة الجمجمة، ويسمحون للمخ بامتصاص الماء مباشرة. كل ذلك يُحكى لهم من خلال برنامج "جيم المخ" الذي يتم دعمه ماليا وتنفيذه في المدارس الحكومية البريطانية..

إن تزيين تلك الخرافات ببعض المصطلحات العلمية التقنية يخدع المدرسين ويدفعهم لتدريسها لطلابهم. إذا أخبرتك "إذا دلكت هذه النقطة في صدرك سيساعدك هذا على التركيز" فعلى الأرجح لن تصدقني وستتهمني بالكذب والدجل، أما إذا أخبرتك "إذا دلكت هذه النقطة فأنت ستحفز سريان الدم الحامل للأكسجين عبر الشرايين السباتية، مما سيحسن من التركيز والاسترخاء" حينها تبدو عبارتي أكثر "علمية"، وسأبدو أكثر ذكاء وخبرة، وسيصدقها عدد أكبر من البشر.

بالنسبة لي: لقد سمعت الكثير من الخرافات التي زُينت بمعطف علمي لتبدو أكثر أناقة. سمعت مثلا عن الأسياخ النحاسية القادرة على كشف الذهب تحت الأرض عن طريق الموجات الكهرومغناطيسية التي تجعل الأسياخ تتنافر. سمعت عن أن "الجزر يقوي النظر" لمجرد احتوائه على فيتامين "أ" (الفيتامين مهم لصحة العين والجلد، لكنه لا يقوي النظر). سمعت عن أننا لا نستخدم سوى 10% من أدمغتنا وأننا لا نستطيع الوصول لكامل قدرة أدمغتنا..

في رأيك، لماذا يميل الناس إلى تصديق الخرافات عندما تُقدم بلغة علمية أو معقدة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

في رأيك، لماذا يميل الناس إلى تصديق الخرافات عندما تُقدم بلغة علمية أو معقدة؟

اعتقد أن جزء من السبب راجع إلى تعودنا على نمط معين من البرهنة وهي البرهنة القائمة على المنطق العلمي الذي يسهل ملاحظته في وسط أي كلام، لأنه مرصوص جيدا وكلماته منتقاة بعناية ، عكس الكلام العامي العادي الذي يميل الى العشوائية، زيادة على أن العقل البشري ينجذب بشكل طبيعي إلى التعقيد واللغة العلمية الرسمية لأن لها هالة وقداسة خاصة، مما يخلق وهماً بالمصداقية والصحةى عندما تُغلف الخرافات بعبارات معقدة أو مصطلحات علمية، يصعب على الشخص العادي التحقق من صحتها، فيميل إلى القبول بها كحقيقة، وبما أن المصطلحات الرسمية والكلمات المعقدة صعبة الفهم والتخمين إذن ستكون الطبق الدسم للناس كوونا كائنا فضولية تعشق الغموض والسحر، سيتحول التعقيد والصعوبة إلةى بوابة للغموض الساحر الممتع.

سبب مهم ايضا وهو قدوسية العلم والعلماء، الذين اكتسبوا ثقة مفرطة من طرف الناس على اختلاف اطيافهم، هذه القداسة تزيد أكثر واكثر في ظلضعف الثقافة العلمية لدى البعض.

صحيح أن التعقيد والمصطلحات العلمية يمنحان نوعا ًمن الهالة للمعلومات، لكن ربما المشكلة ليست فقط في الانجذاب للتعقيد، بل في طريقة تلقينا للمعرفة نفسها. كثير من الناس لم يعتادوا على التفكير النقدي أو التحقق من صحة المعلومات، فيقبلون ما يبدو معقداً على أنه صحيح لمجرد صعوبة فهمه. هذا يفسر كيف يمكن للخرافات أن تكتسب مصداقية إذا غُلفت بمصطلحات علمية. ربما الحل ليس فقط في نشر الثقافة العلمية، بل في تعزيز مهارات التحليل والتشكيك المنطقي لدى الناس، بحيث لا ينبهرون بأي كلام يبدو معقداً دون تمحيص.

دائما أرى أن مهارات التشكيك والتبين لمعرفة الصحيح من أهم مهارات هذا العصر خصوصا في عصر النت والسوشيال ميديا، حيث المعلومات تتدفق بمعدل غير مسبوق، مما يسمح للشائعات بالانتشار.

كيف يمكن تعزيز مهارات التحليل والتفكير النقدي عند الناس في رأيك؟

فعلا، الكثيرون يجدون المصطلحات التقنية مغرية وينجذبون إليها، حتى عندما لا يكون لها علاقة بتفسير الظاهرة المرغوبة. قمت بإضافة تعليق عن تجربة قرأت عنها في الكتاب تؤيد ما أقول.

لا أعرف حقيقة المغزى من تعليم هذه الأشياء أو حتى صحة هذا الكلام؛ لكن دائما كل حقيقة علمية تكون مصحوبة بأدلة وإلا ما كان علما. وإنّ بعض الحقائق يتم تعديلها عبر الزمن مثل فكرة التفكير بنصف دماغك الأيسر أو الأيمن وهكذا.

أنا اندهشت مثلك، بالذات لكونها بريطانيا، أي دولة أوروبية متقدمة، كيف سيدرسون الأطفال معلومات مثل هذه في المدرسة؟

لكن مؤلف الكتاب "Ben Golcare" طبيب بريطاني مولود في لندن، وقد أقر بأن هذه المعلومات تدرس للتلاميذ في المدارس الحكومية، وعندما بحثت عن كلمة Brain Gym التي ذكرها المؤلف في كتابه وجدت مقالات مشابهة للتي ذكرها المؤلف، لهذا فإن الموضوع على الأرجح صحيح ولا يستهان به.

هل معنى هذا أنّ المعلومات صحيحة أم أنها مضللة؟ أنا تحيرت. لكن الفكرة أن المعلومات نفسها غير مرتبطة بالمنطق بشكل كبير.

المعلومات مضللة، لكن تزيينها بمصطلحات علمية مثل "تدفق الدم" و"قاع الجمجمة" خدع الكثير من المدرسين لتصديقها وتعليمها للتلاميذ فيما بعد.

لكن أليست المناهج الدراسية تكون معدّة مسبقا وتوافق عليها المدارس؟

هذا ليس جزءا من المنهج الدراسي، هو برنامج مدرسي جانبي، مثل نشاط مدرسي، تقوم به بعض المدارس الحكومية أو الخاصة.

التفكير المنطقي يحتاج منا التأكد من كل معلومة وبحثها للوصول لمصدرها، لكن لدى الناس عموماً ثقة في كل ما هو علمي، يمكن أن تكون بعض المعلومات العلمية خاطئة فالعلوم تتطور كل يوم، ومن الممكن كذلك أن يكون بين جولدكير مؤلف كتاب Bad Science هو الذي على خطأ.

معروف لدى أطباء القلب فاعلية تدليك بعض شرايين الرقبة لتهدئة ضربات القلب، مما يعني أن التدليك كإجراء طبي هو إجراء موثوق وله تأثير مؤكد، أترك لك مقال من mayoclinic عن الموضوع:

أهلا جورج.. سعيد بالإشارة لهذه المعلومة، وأنا طبيب وأعلم أن تدليك الشرايين السباتية يؤدي لتحفيز الجهاز العصبي الباراسيمبثاوي.. لكن هذا يؤدي لهبوط الضغط، أي نقص الإمداد الدموي للمخ وليس تعزيزه!

أضف إلى ذلك: ما يذكره المؤلف عن نشاطات Brain Gym هو "اصنع شكل حرف 'C' باستخدام الإبهام والسبابة ثم ضعه على جانبي عظمة القص أسفل عظمة الترقوة مباشرة، دلك برفق لمدة عشرين أو ثلاثين ثانية مع وضع يدك الأخرى على سرتك. بدّل اليدين وكرّر التمرين. هذا التمرين يحفز تدفق الدم الحامل للأكسجين عبر الشرايين السباتية إلى الدماغ، مما يُنشّطه ويزيد من تركيزه واسترخائه."

هل ترى أي معلومة منطقية أو علمية فيما ذكر هنا؟

الغريب أن بريطانيا دولة متقدمة جداً طبياً، فكيف فاتهم وجود تلك المواضيع في مناهج المدارس؟ كذلك لابد أن يكون من ضمن التلاميذ من يعمل والداه في المنشآت الطبية وهو شعب على حد علمي غزير الثقافة واسع الاطلاع..

الكتاب يتخذ شكلا تدريجيا، بدءا من الخرافات والدجل ووصولا إلى التزوير في الأوراق والتجارب العلمية! التقدم العلمي لا يمنع أنه سيوجد بعض الطماعين الذين سيرغبون في جني المال عن طريق خداع الناس بهذه الطريقة!

بالنسبة للمناهج، فهذه المواضيع ليست مدرجة في المناهج، بل هي نشاط جانبي في المدارس يتم الترويج له.

في رأيك، لماذا يميل الناس إلى تصديق الخرافات عندما تقدم بلغة علمية أو معقدة؟

يميل الناس إلى تصديق الخرافات عندما تقدم بلغة علمية أو معقدة لأن المصطلحات المتخصصة تمنحها هالة من المصداقية، حتى لو كانت المعلومة خاطئة. فالعقل البشري غالبا ما يربط التعقيد بالدقة، ويفترض أن أي شيء يبدو علميًا لا بد أن يكون صحيحا.

إضافة إلى ذلك، فإن تأثير "رهبة المعرفة" يجعل البعض يتجنبون التحقق من صحة المعلومات، خاصة عندما تبدو مقنعة على السطح.

فهل تعتقد أن انتشار المصطلحات العلمية المضللة يساهم في تعزيز هذه الظاهرة؟

أحب أن أضيف هذه التجربة التي قرأتها من الكتاب:

في مارس 2008، نشرت مجلة Journal of Cognitive Neuroscience، تجربة مثيرة توضح تأثيرا مثيرا للاهتمام. قسم المتطوعون إلى مجموعات، وتم إعطائهم عدة تفسيرات لظاهرة معينة. طُلب منهم تصنيف تلك التفسيرات من حيث كونها "جيدة" أو "سيئة".

الظاهرة المطلوب تفسيرها:

عند طرح سؤال معلومات عامة، وإذا كنا نعلم إجابة السؤال، فإننا عادة ما نبالغ في تقديرنا أن باقي الناس يعلمون الإجابة مثلنا.

التفسير الأول للظاهرة:

أن الناس يجدون صعوبة في الشعور بوجهات نظر الآخرين وما قد يعرفونه، مما يجعلهم يسقطون معرفتهم الخاصة على الآخرين عن طريق الخطأ.

التفسير الثاني للظاهرة:

تشير فحوصات الدماغ إلى أن المبالغة في تقدير تحدث بسبب الدوائر العصبية في الفص الجبهي الدماغية، المعروفة بدورها في معرفة الذات. يُخطئ الكثيرون عندما يُطلب منهم تقييم معرفة الآخرين، فهم أفضل في تقييم ما يعرفونه بأنفسهم.

كما ترى: فالمصطلحات المتعلقة بعلم الأعصاب في التفسير الثاني غرضها الزينة لا غير، ولا تضيف أي شيء للمعنى أو التفسير. عندما تم عرض هذه التفسيرات على ثلاث مجموعات: مجموعة عامة الناس، ومجموعة طلاب علم الأعصاب، ومجموعة متخصصي علم الأعصاب، فإن المجموعتين الأوليين أبديا أن التفسير الثاني "مرضٍ أكثر" من التفسير الأول. رغم أن مصطلحات مثل "الفص الأمامي" و"الدوائر العصبية" ليس لها علاقة بتفسير الظاهرة فإن الناس يرون هذه المصطلحات مغرية، ويميلون للوثوق في تلك التفسيرات أكثر من التفسيرات الموجزة التي تفسر الظاهرة باختصار.