نحن لا نرى الواقع أمامنا .. بل نشاهد فلم قديم 👀

  • ZARADO01

أشكر صديقي طلال .. لأن مساهمته عن الرؤية والتكرار أيقظت في ذاكرتي قصة قديمة .. قصة لم أفهمها تمامًا حين قرأتها أول مرة .. لكنني اليوم أراها بوضوح مختلف.

توجد في منطقتنا بقالة لافتتها مكتوب عليها ـ بالخطأ ـ «تنمويات العائلة» بدل «تموينات العائلة». الخطأ بسيط .. ولكن المدهش كان فينا نحن .. 

فكلما سألتُ شخصًا يعرفني أن يقرأ ما كُتب .. قرأ بلا تردد: «تموينات العائلة». لا أحد رأى الكلمة كما هي. الجميع قرأها كما يتوقعها.

في تلك اللحظة أدركتُ شيئًا مزعجًا:

نحن لا نشاهد الواقع كما هو .. نحن نستدعيه من الذاكرة.

العين تمرّ .. لكن العقل يُكمِل المشهد من نسخة محفوظة سلفًا .. وهكذا نمضي في حياتنا: لا نرى ما يحدث الآن .. بل نعيش على تسجيل قديم يعاد تشغيله بلا وعي.

في هذا السياق .. تذكرتُ قصة قرأتها قديمًا لضابط بحري نُشرت في Reader’s Digest .. حادثة عابرة .. لكنها أعادت إليه العالم كله .. بحثت عن القصة ولم أجدها ولكن سأرويها من الذاكرة .. 

كان خارجًا من منزله حين اصطدم بعلب ألوان تركها ابنه مفتوحة .. فانسكبت على أرضية بيضاء. غضب في البداية .. ثم جلس لينظف المكان .. لكنه ما إن بدأ المسح .. حتى لاحظ أن الألوان لا تختفي .. بل تتحول.

كانت تمتزج .. تنساب .. تصنع أشكالًا لم يرَ مثلها من قبل. ومع كل حركة .. كانت تولد لوحة جديدة. نسي الهدف تمامًا. لم يعد ينظف… بل يرى.

ظل غارقًا في هذا المشهد حتى نبهته زوجته. رفع رأسه ونظر إليها .. وقال لاحقًا إنه رآها كما لو أنها تظهر له لأول مرة.

راح يكرر بدهشة صادقة:

«يا إلهي… شعرك لونه جميل .. عيناك جميلتان الخ الخ».

حتى شعرت زوجته بالخجل .. لأن الرجل الذي أمامها لم يكن الزوج المعتاد .. بل إنسانًا عاد لتوّه من يقظة نادرة.

ثم بدأ يرى البيت كله بعين مختلفة: الجدران .. اللوحات .. التفاصيل الصغيرة… رغم أنه عاش في المكان ذاته قرابة عشرين عامًا.

وعندما خرج إلى الشارع .. وقف يتأمل السحب طويلًا .. مأخوذًا بحركتها .. والوانها التى تتغير مع ضوء الشمس وحركتها .. الناس توقفوا ينظرون إليه باستغراب .. وحين قال لهم إنه ينظر إلى السحب .. انصرفوا عنه وكأنه فقد عقله.

لا يمكن .. في نظرهم .. أن تكون الدهشة بسبب شيء عادي.

ويختم قصته بدهشة أكبر:

أن الناس لا يفتقدون المعجزات… بل يفتقدون الرؤية.

نحن نحيك القصص عن أشياء خارقة لأننا لم نعد نرى الجمال الهائل في أبسط ما حولنا. ولو تأمل الإنسان أضعف مخلوقات الله بصدق .. لربما عاش الدهشة إلى الأبد.

الدهشة لا تأتي من الخارج.

لا تحتاج حدثًا استثنائيًا .. ولا سفرًا بعيدًا .. ولا معجزة سماوية.

كل ما تحتاجه هو أن نتوقف قليلًا عن رؤية الحياة بذاكرتنا… وأن نسمح لأعيننا أن ترى من جديد .. بدون ضباب الذاكرة .. بدون غبار الأحكام المسبقة .. هذا هو سر دهشة الأطفال التى فقدناها .. ان لم أقل سر الإرتقاء الى السماء ..

والسؤال لك الآن:

ما الشيء العادي جدًا الذي صادفك يومًا .. فتوقفت عنده دون سبب واضح؟

مشهد .. لون .. ظل .. تفصيلة صغيرة… وجعلتك تشعر أنك ترى العالم للمرة الأولى؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تعودنا على الأشياء يفقدنا تمتعنا بها ورؤيتنا لحقيقتها مع الوقت، مثلها مثل إيلاف النعم في حياتنا، لذلك يجب علينا ألا نأخذ أي شيء في حياتنا على أنه شيء عادي ووجوده مضمون، لأنه ليس كذلك، ونحن نشعر هكذا فقط بسبب اعتيادنا على وجودها، لكن لو شعرنا أن هذا الشيء سيضيع منا نبدأ بالهلع، أيضًا لو كنا محظوظين وحدثت لنا صحوة مثل تلك التي حدثت لذلك الرجل في القصة سنبدأ في رؤية الجمال في كل شيء من حولنا.

احسنتي سهام شكرا على مرورك واضافتك

أرى القصة تتعلق بالقدرة على رؤية الأشياء كما هي، بلا أحكام مسبقة. كثير منا يمر يوميًا بتفاصيل بسيطة – ظل شجرة، حركة أوراق، صوت المطر – ولا يلاحظها لأن ذهنه مشغول بالماضي أو المستقبل لو انتبهنا لهذه التفاصيل ببساطة ستتحول كل لحظة إلى مصدر إلهام وإبداع. الأشياء العادية تصبح فرص للتفكير الجديد، وإعادة ترتيب أولوياتنا، وحتى ابتكار حلول جديدة. السر هو ترك العقل حر يرى الحياة كما هي لأن في كل لحظة بسيطة ممكن نجد فكرة تغير نظرتنا للعالم بالكامل.

مي .. أشكركِ على هذا المرور الجميل .. فقد التقطتِ جوهر الفكرة بدقة لافتة.

ما كتبتهِ عن رؤية الأشياء كما هي .. بلا أحكام ولا إسقاطات من الماضي أو قلق من المستقبل .. هو بالضبط ما حاولت الإشارة إليه من خلال القصة.

لفتني حديثك عن التفاصيل الصغيرة .. ظل الشجرة .. حركة الأوراق .. صوت المطر… هذه الأشياء لا تفقد سحرها أبدًا .. نحن فقط نفقد القدرة على ملاحظتها حين ينشغل العقل بما ليس حاضرًا.

حين يتحرر الذهن من ثقل الذاكرة والتوقع .. تتحول أبسط اللحظات إلى مصدر إلهام حقيقي .. لا للإبداع فقط .. بل لإعادة ترتيب علاقتنا بالحياة نفسها.

تقديرك لهذا المعنى أضاف للمساهمة بعدًا هادئًا وجميلًا .. أشكركِ عليه بصدق 🌿

بعد قرائتي لكتاب الطور المهدوي للعالم سبيط النيلي، وبعد أن قرأت تفسيره وربطه لسور القران وأياته الكونية والفلكية، ثم ربطه العبقري بين هذه الأيات وبين الأحاديث النبوية عن يوم القيامة وألاحداث الفلكية فيه، ثم تحليله وربطه بين هذه الأحداث وبين علم الفلك المعاصر وتفسيره لطريقة حدوث هذه الأحداث وشرحها بواسطة محتوى بصري، قراءة هذا الكتاب جعلتني لمدة اسبوع أنظر يوميا للشمس والقمر والسحاب بدهشة وتأمل وحالة روحية لا مثيل لها، أحيانا العلم يجعلنا ننتبه للجمال والقوة التي حولنا ولا نشعر بها

يوسف .. سعدتُ بمرورك ومشاركتك العميقة.

كتاب الطور المهدوي الذي ذكرتَه أسمع به للمرة الأولى من خلال تعليقك .. وقد دفعتني كلماتك للبحث عنه .. وأنا أقرأه الآن باهتمام.

وصفك لحالة الدهشة والتأمل التي صاحبتك في نظرتك للشمس والقمر والسحاب يعبّر تمامًا عما قصدته: أحيانًا يكون العلم .. حين يُقرأ بوعي .. بوابة لإيقاظ الرؤية لا لإخمادها .. وجسرًا بين المعرفة والدهشة .. لا نقيضًا لها.

شكرًا لك على هذا الإثراء الصادق .. وجزاك الله عني خير الجزاء 🌿