الحياة كفصول السنة تتوالى علينا في صمت بليغ، تحمل في طياتها حكايات العمر منذ أول أنفاسه حتى آخرها.

يبدأ الربيع… أزهار نيسان المتفتحة، والنسيم الذي يلامس الوجوه برفق وكأن العالم يبتسم لك وحدك، هو فصل الولادة حيث السعادة الأولى، وبراءة الطفولة التي لا تعرف سوى الاكتشاف والدهشة، في الربيع كل شيء يبدو وكأنه وعد بالحياة، والأرض كأنها أم تحتضن خطواتك الأولى.

ثم يشتد الضوء في صيف الحياة… شمس أغسطس الحارقة، التي تدفعك للانطلاق بعيداً للركض بلا توقف، للعمل، للمجازفة، وللاندفاع وراء الأحلام، الصيف هو مرحلة الشباب حيث الحرية تصرخ في روحك، ولا ترى للسماء سقفاً، هو الوقت الذي تظن فيه أنك خالد، وأنك قادر على ابتلاع العالم بيديك.

لكن يأتي الخريف… أوراق شجر أكتوبر وهي تتساقط بصمت كأسرار قديمة لم تعد تملك القوة للبقاء، إنه موسم التعب الأول، حين تشعر ببطء خطواتك، وتدرك أن الشباب ليس دائماً، وأن الخوف من النهاية يطل من بعيد، الخريف هو بداية الكبر، حيث يغدو الصبر أثقل، وتصبح الذكريات أغلى من الأحلام.

ثم يحل الشتاء… أمطار يناير الباردة، وصمت الأرض المغطاة بالقيود والجليد، هو آخر الفصول حيث كل شيء يهدأ، وتصبح الروح أكثر قرباً من حكايتها الأخيرة، الشتاء هو.. الموت، لكنه ليس هزيمة بل عودة إلى الأرض التي بدأت منها، واستراحة بعد رحلة طويلة، حتى وإن غابت الشمس تبقى آثارها دافئة في قلوب من أحبونا.

وهكذا تمضي الحياة، ربيع وصيف ثم خريف و شتاء، تعلمنا أن لا فصل يدوم، وأننا نحن الفصول، ونحن الأرض التي تتبدل، لكننا في أعماقنا… نحن الحكاية كلها.