"أنا لم أتغير، فأنا اجتماعيٌّ منعزل، أُخالط البشر من كل صنف ثم أهرب من الجميع باحثًا عن نفسي."

هكذا يتجلّى التناقض الإنساني العميق في أبسط العبارات. يبدو هذا القول للوهلة الأولى وكأنه تعبير عن تذبذب في المزاج، لكن التأمل فيه يُفصح عن مأساة داخلية يعيشها الكثير منا: مأساة الانتماء والانفصال.

الإنسان كائن اجتماعي في جوهره، لا يكتمل وعيه بذاته إلا من خلال تفاعله مع الآخر. نلجأ إلى الناس لنشعر أننا موجودون، أن أفكارنا مسموعة، أن تجاربنا مفهومة. لكننا في الوقت ذاته، نكتشف أن كثرة الاحتكاك تُربك صفاءنا الداخلي. حين نُكثر من مخالطة البشر، نشعر أننا نذوب في ضجيجهم، في أحكامهم، في تمثيلاتهم التي تُفرض علينا. وهنا تبدأ الحاجة إلى الانعزال.

العزلة ليست دائمًا هروبًا، بل في أحيان كثيرة، هي محاولة للعودة إلى الأصل. الإنسان المنعزل اجتماعيًّا لا يكره الناس، بل يكره أن يفقد نفسه فيهم. هو يُحبهم لكنه لا يحتمل كثافتهم. يجد في الهدوء فرصة لإعادة ترتيب ذاته، وفي الصمت صوتًا لداخله الذي يضيع بين الضوضاء.

هذا التذبذب بين الانخراط والانسحاب، بين القرب والبعد، يُمثل نوعًا من التيه الوجودي. تيه لا ناتج عن اضطراب نفسي، بل عن وعي مفرط. الشخص الواعي بنفسه وبالآخرين يدرك هشاشة العلاقات، وزيف الكثير من الحوارات، وثقل الأقنعة الاجتماعية، فيختار الانزواء مؤقتًا لا كرها للبشر، بل حبًا للصدق.

"أخالط البشر من كل صنف"، لأنني أبحث عن معنى، عن صوت شبيه بصوتي، عن روح تطمئن لروحي. و"أهرب من الجميع"، حين أُدرك أن هذه الرحلة ستنتهي، كما كل مرة، بافتقاد ذاتي وسط الزحام.

هكذا نعيش: بين حنين إلى الآخر، وحنين إلى أنفسنا… وبينهما، تظل الروح مُعلّقة، لا هي ملكٌ للجماعة، ولا م

لكٌ للعزلة.