"محظوظ الذي لا يخاف ولا يأمل"

إحدى العبارات التي استوقفتني في كتابه "التأملات"، للفيلسوف والإمبراطور الرواقي ماركوس أوريليوس. وأعدت قراءتها عدة مرات، كون "الأمل" و"الخوف" كلاهما يعد سلاح ذو حدين بكل معنى الكلمة، فالأمل نفسه قد يصيب صاحبه بأشد أنواع الإحباط مع تكرار الفشل في تجارب مختلفة، أو مع تأخر وجود نتائج ملموسة في حياته تساعده على توقع الأفضل، ولكن -وللمفارقة- من دونه لا تستمر الحياة، فالأمل نفسه هو سبب صمود البعض والاستمرار يومًا بعد يوم في السعي حتى يصلوا إلى أي معنى!

أما بالنسبة إلى الخوف، فلا يسعني القول هنا سوى إنه "المحرك الأقوى" للبشر تقريبًا، ولا سيما الخوف من الموت مثلًا. والخوف أيضًا يمكن أن يكون سبب التحفيز وسبب شلل الحياة أيضًا، بمعنى أن "الخوف من ضياع فرصة" إما يساعد صاحبه في بذل كل مجهود ممكن للحصول عليها، أو الدخول في حالة من التشكك والخوف المزمن من الرفض، وعليه تضيع فرصته فعلًا في تحقيق ما يريده.

ولكن ما تطرحه تلك العبارة يشير إلى صفة أخرى، وهي "التقبّل" أو "التكيف"، فمن لا يخشى شيئًا، ولا يأمل أو ينتظر شيئًا، غالبًا يعيش حياته في حالة من الاتزان الداخلي العميق، ولكن أواقعيًا يمكن تخيل حياة بلا أمل ولا خوف؟ وهل تتفقون مع العبارة أم تجدونها تدعو إلى الاستسلام؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مع احترامي لقراءتك المتأملة يا د. إيريني، لكن دعيني أكون صريحًا معك.... الحديث عن أن الإنسان يكون محظوظًا حين لا يأمل ولا يخاف، يبدو فكرة جميلة نظريًا، لكنه ببساطة وهم فلسفي لا يصمد أمام الواقع.

دعيني أسألك بوضوح

أيمكنكِ أن تعيشي يومًا واحدًا بلا أمل ولا خوف؟حين تقلقين على صحتك، أليس الخوف هو الذي يدفعك للعلاج؟حين تطمحين لتحسين حياتك، أليس الأمل هو الذي يحفزكِ على الاستمرار؟

بلا خوف ولا أمل، لا تبقى حياة حقيقية، فقط جمود عاطفي مقنع بشعارات رواقية فارغة.

الحياة بكل بساطة مبنية على حركة الأمل والخوف.

التخلي عن الأمل والخوف تحت شعار "التقبل" لا يعني قوة أو حكمة، بل يعني ببساطة تخدير مشاعركِ، وقتل إرادتكِ، وترك الحياة تسحبكِ كما تشاء بلا مقاومة.

الحكمة ليست في قتل الأمل أو الخوف، بل في توجيههما بذكاء.

الأمل هو الذي يصنع المعجزات. والخوف هو الذي يحمي من السقوط.

فأن تعيشي بدون أمل وخوف، يعني أن تقبلي العيش ككائن بلا حلم، بلا شغف، بلا اندفاع... وتدعين هذا اتزانًا؟!

بل هو استسلام ناعم تزينه الفلسفة بكلمات منمقة لا أكثر.

لهذا أقول لكِ ... التقبل الحقيقي لا يعني موت الأحاسيس، بل يعني قيادة الأمل والخوف معًا نحو ما تستحقينه، لا أن تتظاهري بأنكِ فوقهما وأنتِ في الواقع تفقدين أثمن ما يحرككِ كإنسانة.

الحكمة ليست في قتل الأمل أو الخوف، بل في توجيههما بذكاء.
الأمل هو الذي يصنع المعجزات. والخوف هو الذي يحمي من السقوط.

ولهذا طرحت العبارة أصلًا، لأنني شخصيًا أعتبرها غير واقعية أو منطقية، نعم تخدير المشاعر قد يؤدي لحالة من اللامبالاة والتوازن الظاهري، لأن الشخص لا يهتم بشيء ولا يسعى إلى شيء، ولكن عواقبها أسوا كثيرًا من إيجابياتها، لأن الإحباط أو الفشل أو الفقد أو الموت كلها أمور لا مفر منها، والوصول إلى حالة من "عدم الخوف" هي أشبه بالمستحيلة في رأيي أيضًا، ولكن سأكون صريحة معك أيضًا، الخوف في أحيان كثيرة يصاحبه قلق مزمن، وهو بالفعل يفقدنا متعة/لذة الحاضر، السيطرة عليه أو محاولة فهم منبعه قد تفيد في وضع حدود آمنة له، ولكن لا ننكر أنه أحيانًا يكون أصعب من السيطرة عليه، ولا سيما في حالة شبهة مرضية كما ذكرت، صحيج الخوف سيدفعني إلى البحث عن علاج، ولكن ألن يزيد هو نفسه التوتر على الناحية الأخرى؟ بالمناسبة، أرى في التناقضات واقعية الحياة بشكل كبير..

ومن في هذه الحياة لا يخاف شيئًا ولا يأمل في شيء؟ الأمل والخوف هما ما يمنحان لحياتنا طعمها ومعناها، فالأمل يدفعنا للاستمرار والسعي، والخوف يحمينا من التهور ويجعلنا أكثر وعيًا بما حولنا.

أعتقد أن من يستطيع أن يعيش بلا خوف ولا أمل، هو شخص تخلى عن التفاعل مع الحياة أو لديه حالة نفسية سيئة لدرجة كبيرة، أو مثلاً بلغ من التجرد حدًا لا يقدر عليه الإنسان العادي، وربما تكون حالته أقرب للزهد التام أو حالة روحية نادرة، صحيح أنه قد يبدو محظوظًا من بعيد، لكن في العمق كأنما نُزعت منه إنسانيته، لهذا أرى أن هذه العبارة لا تدعو إلى قوة داخلية أو سلام، بل إلى نوع من الجمود أو الاستسلام.

الرواقية بها الكثير من الزهد والتخلي فعلًا كما ذكرتي، وتابعي فلسفتها يرون في التخلي قوة عظيمة للسيطرة على الرغبات وحتى يكونوا هم أسياد أنفسهم وليسوا عبيدًا لأي رغبة. ولكن ألا ترين في فكرة التخلص من الخوف نفسه قوة؟ وقصد هنا سيطرة الخوف وسلطانه على الإنسان، أعني إن حتى أصعب الحالات المرضية قد يخف تأثيرها على المريض إذا كان لديه قبول عالي وسيطرة على مخاوفه (أعلم أن ذلك عسيرًا ولكن رأيته في بعض الأمثلة)

شخصيًا لا يمكنني تخيل حياة بلا أمل أو خوف، فالخوف ربما يكون سببًا من أسباب بقاء الإنسان واستمرار وجوده على هذه الأرض منذ آلاف السنين حتى الآن، فمثلًا لولا خوف الإنسان البدائي من المفترسات وبالتالي الهرب منها لما استمر الجنس البشري.

أما الأمل فهو الدافع وراء الكثير من الأشياء العظيمة التي يحققها الإنسان، فلولا الأمل في الشفاء ما صنع الدواء، ولولا الأمل في حياة أكثر راحة لما صنع السيارات والآلات وغيرها.

الخوف والأمل قد يكونا سلاحًا ذو حدين في حالة سيطرة أحدهما على كل مشاعر الإنسان وعدم فعله لشيء أو خطوة للأمام.

قد يكون الأمر جيداً ظاهرياً بالأخص لمن يخطط لمشروع حيث يستطيع أن يخطط لنجاحه بموضوعية أكثر، لكن الشغف بذاته بالأمل والخوف هو ما يجعل للحياة طعم مميز، فقليلاً من الخوف قد يكون دافع لنجاح من خلال التخطيط بشكل أكبر لتجنب الإخفاقات ، والأمر نفسه مع الأمل بالأخص في الحياة الطبيعية.

أرى أننا في مراحل الحياة المختلفة نتعامل مع الخوف والأمل برؤية مختلفة أيضًا، فمثلًا في بداية الحياة المهنية مثلًا تكون الآمال عالية جدًا والتوقعات كلها في صالح النجاح والإنجازات، والخوف من الناحية الأخرى يكون دافعًا للاستمرار والسعي، ولكن مع بعض الاخفاقات، أو الفشل في تحقيق نجاحات محددة، تبدا رؤيتنا الحالمة والأمل الزائف تأخذ شكلًا آخر، بمعنى أننا نأمل في حدوث تغييرات ما دمنا مستمرين في السعي، ولا لا نضع حمولات عقلية ونفسية كبيرة على هذا الأمل لتجنب الإحباط في حالة عدم حدوث ما رغبناه (على الأقل يكون الإحباط بنسبة مقبولة)، والخوف يتغير أيضًا بتغير الأولويات.