الندمُ لصٌ يسرق راحة الروح بلا استئذان، يتسلل إلينا في أعمق اللحظات، حيث نظن أننا تجاوزنا كل شيء. لكنه هناك، متربصٌ بنا عند أول سكون، يُحيي التفاصيل المنسية، يعيد ترتيب المشاهد في رؤوسنا، ويرسم سيناريوهات بديلة لا وجود لها إلا في وهمنا.

هو الألم الذي يتفوق على الخيانة والفقد، لأنه لا يحتاج إلى أحد ليجرحنا، فنحن بأنفسنا نصدر الحكم، ونجلد أرواحنا على ما كان وما لم يكن. الندمُ أبوابٌ مغلقة، ومفتاحها ضائع في زمنٍ لا يعود، فكلما فتّشنا عن فرصةٍ لإصلاح الخطأ، وجدنا أن الوقت قد دفنها في مقبرة المستحيل.

يقال إن الزمن يداوي كل الجراح، لكن ماذا لو كان الندم جرحًا لا يندمل؟ إنه يكبرُ فينا، يتغذى على حسرتنا، يُصبح جزءًا من كياننا. نحاول الهروب منه، فنعيش بحذرٍ مبالغ، نخشى الخطأ، نحجم عن الحب، ونضيق على أنفسنا في محاولة يائسة لتجنبه، لكننا ندرك أخيرًا أن العزلة ليست حلاً، وأن الخطأ قدر الإنسان.

وهكذا، ندور في دائرة لا نهائية... نخطئ، نندم، نقسم ألا نكرر، ثم نقع مجددًا، كأننا لم نتعلم شيئًا. لكن ربما، في آخر المطاف، يكون الندمُ ليس لعنةً علينا، بل الضريبة التي ندفعها مقابل إنسانيتنا، فهو الدليل الوحيد على أن قلوبنا لا تزال تنبض بالحياة.