وأنا أطوي صفحات هذي الحياة، لم يغادرني أبدا شعور ينتابني باستمرار، وكأنه شيء من الحزن امتزج بتلك السعادة العابرة ليترك ذاك الإحساس الغريب داخلي.

فكلما تمعنت في فصول العمر الذي نقضيه بين فرح وترح؛ رخاء وشدة؛ يسر وعسر...، إلا انتابني هذا الإحساس الذي يداعب دواخلي تارة، ويعاتبها عتابا شديد وقعه تارات أخرى.

هذه الدنيا بملذاتها وشهواتها ومغرياتها...، يعجب لها المرء العجب الشديد عندما يدرك حقيقتها وماهيتها، فحينها تصير تلك الجاذبية التي تدفعه للانغماس في متعها رادعا يعقلنه عن الإسراف في حبها والتعلق بها.

وهذي فطرة الإنسان التي جُبِل عليها، فلا ينبغي له أن يراها عيبا يجب التخلص منه، بل الأولى أن يراه طبيعة أو سليقةً لابد له أن يؤطرها ويُغلب عقله عليها.

تلك الغلبة لا ينالها إلا إن حكَّم قِيَمه الأخلاقية على دوافعه الغريزية، فما الفرق بين الصالح والطالح إن لم نجعل الأخلاق معيارا من المعايير الحاسمة عندما يتعلق الأمر بالمعاملات اليومية عند الناس؟

وما فائدة القوانين الوضعية التي تؤطر الناس داخل مجتمعاتهم إذا كانت لا تُبنى على معايير أخلاقية أصلا؟

فالمرء وهو يحيا على وجه هذه الخليقة لابد له أن يسعى خلف لقمة عيشه وقوتِ يومه حتى يضمن شيئا من العيش الكريم الذي يرفعه عن أن يمد يده لغيره، لكن في الوقت نفسه ينبغي لهذا السعي أن يكون مُعقلنا ومؤطرا بالقيم والأخلاق.

لكن الأغرب في الأمر أن تلك اللذة الدنيوية التي يركض وراءها المرء ركض الوحوش في البراري سرعان ما تصير روتينا مُملا تنقضي شهوته وتختفي وكأنها لم تكن يوما!

فحال الراكض اللهفان وراء ملذات دنياه كحال التائه في صحراء لا طعام فيها ولا ماء، ولا طير يطير فيها ولا وحش يسير، حتى إذا ما لمح واحة بها ماء من بعيد هرول إليها فلم يجدها إلا سرابا تبخر طيفه في الهواء.

والناظر في تاريخ من عمَّروا الأرض وحازوا ما لم يحزه غيرهم من الثروات يَعتبر بهم خير عبرةٍ لئلا ينهج نهجهم، فأين هم وأين ما حازوه؟ بل ولا يدري الواحد منا أين قبورهم ولا كيف حالهم فيها!

بالطبع، هذه ليست دعوة للتملص من السعي في طلب الرزق، فالمرء المسلم أولى بأن يكون سباقا لذلك، فدينه دين عمل واجتهاد ومثابرة، لا دين تكاسل وارتخاء، لكن هي بالأحرى دعوة لعقلنة هذا السعي وإخضاعه للضوابط الدينية والقيم الأخلاقية حتى لا يُضيع المرء أخراه وهو يسعى في سبيل عرَض من دنياه!