في معرض الحديث عن الظروف المعيشية الصعبة لأي بلد من بلادنا العربية ينقسم الناس قسمين من حيث الأسباب.
الأول: يقول كما تكونوا يولَّ عليكم .
الثاني: الناس على دين ملوكهم .
فأيهما أصدق وأدق .
أنا أرجح الثاني:
الثاني: الناس على دين ملوكهم.
وأميل لذلك الرأي بسبب فقرة قرأتها في "المستطرف لكل فن مستظرف" وهي مكررة في كتب أخرى وتقول الفقرة:
كان الناس إذا أصبحوا في زمن الحجاج بن يوسف فتلاقوا يتساءلون : من قُتل البارحة ؟ ومن صُلب ؟ و من جُلد ؟…في أمثال ذلك.
وكانوا في زمن الوليد بن عبد الملك يتساءلون عن البنيان والمصانع وشقّ الأنهار وغرس الأشجار .
وكانوا في زمن عمر بن عبد العزيز يتساءلون : كم تحفظ من القرآن ؟ و كم وردك كل ليلة ؟ و متى تختم ؟ و كم تصوم من الشهر ؟...
كما تكونوا يولى عليكم" صادقة، لكنها تستخدم أحيانا لتبرئة الطغاة. الطفل الذي لم يتعلم كيف يفكر، لا يمكن أن نلومه لأنه ينتخب الطاغية.
"الناس على دين ملوكهم" صادقة أيضا، لكنها تستخدم أحيانا لتجريد الشعب من الإرادة. السكوت عن الظلم هو شكل من "الدين" الذي يفرضه الملك.
العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست سببا ونتيجة خطية، بل تبادلية معقدة. الحاكم الطاغية يصنع شعبا خائفا، والشعب الخائف ينتج حكاما أقوياء. إنها حلقة مفرغة.
ربما الأصدق هو: "كما تكونوا، ومع من تكونوا، يولى عليكم". الشعوب الضعيفة تنتج حكومات فاسدة، والحكومات الفاسدة تزيد الشعب ضعفا.
كلا الطرفين شريك في المأساة، وكلا الطرفين مطالب بتغيير نفسه.
صعب ان نختصر أسباب تدهور الأوضاع في جملة واحدة مثل “كما تكونوا يولَّ عليكم” فيه ظلم كبير للشعوب أحيانًا، لأنه يفترض أن الناس دائمًا تملك حرية التغيير والتأثير الكامل. هناك شعوب عاشت سنوات طويلة تحت أنظمة أضعفت التعليم والوعي والاقتصاد، فكيف نحمّل الناس وحدهم نتيجة أوضاع لم يصنعوها بالكامل.
وايضا عبارة “الناس على دين ملوكهم” ليست دقيقة لأن المجتمعات ليست نسخًا متطابقة من حكامها. داخل كل بلد ستجد الصالح والفاسد، الواعي والجاهل، حتى لو كان النظام واحدًا.
لذلك أظن أن الحقيقة ليست في أحد الطرفين وحده، بل في تأثير متبادل؛ السلطة تؤثر في الناس، والناس أيضًا يؤثرون في شكل المجتمع مع الوقت، فلا الحاكم وحده السبب، ولا الشعب وحده المسؤول.