أثناء حديثي مع إحدى الزميلات عن الظروف البائسة التي يعمل فيها عمال النظافة بالشوارع، تطرقنا إلى صعوبة ظروف عملهم إلى جانب مشقة العمل نفسه. فمعظم عمال النظافة من أصحاب الأعمار المتقدمة، ويستخدمون أدوات متردية ومتهالكة حتى أنهم يضطرون في بعض الأحيان إلى جمع المخلفات بأياديهم العارية... هم مضطرون للعمل تحت لهيب الشمس المحرقة في معظم الأحيان، بل ومعروضون لاستنشاق الأتربة باستمرار بدون أي وقاية... لا يرحمهم الناس فيستمرون بإلقاء المخلفات دون مبالاة لهؤلاء الذين تنحني ظهورهم طوال اليوم لالتقاطها...إلى هنا كان الحديث عاديا ومثيرا للشفقة من كلانا على حالهم. إلى أن قلت لها: إنهم فوق كل ذلك يتقاضون رواتب ضئيلة للغاية بالكاد تكفي القوت البسيط، وأنه يجب رفع رواتبهم بعض الشيء.... ضحكت زميلتي وقالت: لو رفعوا رواتبهم فلن يقبلوا بهذا العمل!!... هي تعني أن ضآلة رواتبهم جعلت نفوسهم متواضعة فقبلوا بهذا العمل، بينما زيادة الراتب وبالتالي تحسين أحوال المعيشة ستؤدي إلى تمردهم على هذا العمل البسيط!!... آلمني هذا المنطق فعلا، ولم أفهمه حتى.
أذكر أنني شاهدت منذ سنوات حلقة للأستاذ أحمد الشقيري عن عمال النظافة في اليابان... كانت حلقة مبهرة بالنسبة لي، فهو هناك يسمى مهندس النظافة على ما أذكر، يتقاضى راتبا كبيرا بالفعل... الرجل نظيف الملبس، ويسكن في منزل جميل، ولن أحدثكم عن السيارة التي يجمع فيها القمامة وأسلوب جمعها...وووو . هم ينظرون بإجلال لهذه الوظيفة، ويعتبرون من يقوم بها يقدم خدمة جليلة للمجتمع والبيئة... وبالتالي ينبغي أن توفر له الحكومة الوسائل المعينة له على أداء عمله براحة ودون أثر سلبي على صحته... وبالتالي أيضا يجب أن يتقاضى راتبا كريما، وأن يحيا حياة مريحة، وأن يُحترم من الجميع.
لفظ (الزبَّال) الذي يطلق على عامل النظافة هو لفظ بغيض حقا؛ لأن فيه درجة عالية من الاحتقار والمهانة لصاحب مهنة شريفة لا غنى عنها... وقد سمعت سخرية لطيفة من هذا الاسم من أحد الأشخاص، بأنه يجب أن يطلق علينا نحن لأننا من (نزبِّل) أي نلقي الزبالة، بينما يخلصنا منها هذا العامل المحترم.
أعتقد أن المجتمع يجب أن يغير نظرته للكثير من المهن، وأن ينال الإنسان الاحترام والراتب المناسب وفقا لأهمية ما يقدمه لهذا المجتمع بالفعل.