عندما تعلمت ركوب الدراجة في صغري كنت أظن أني تعلمت لعبة جديدة و أن وظيفة الدراجة هي اللهو و التسلية .. لم أكن أدرك وقتها ما ينتظرني من المعاناة و الشقاء .. فبم أن وسيلة المواصلات قد أصبحت متاحة فكان لزاماً علي أنا بذات دون إخوتي أن أقضي لأمي كل طلبات البيت .. فالذي يعرف كيف يقود الدراجة ليس كمن لا يعرف .. تكرر الأمر معي بعد ذلك .. فكان تعلم مهارة جديدة يعني التزاماٌ جديداٌ .. مثلاٌ كنت أقرأ القرآن بسهولة و يسر .. فقط أردد الكلمات و الحروف .. حتى إذا تعلمت تلاوتة و أحكامه أصبح الأمر عسيراُ جداً بعد ذلك .. و مع التجربة ترسخ ذلك المفهوم في ذهني .. فالمعرفة تلقي على كاهل صاحبها نوعاً من المسئولية .. و المسئولية بالتالي تجلب التعب و المشقة .. فليس من الحكمة ابداً أن تعرف .. أو على الأقل أن تظهر معرفتك .. و المسؤلية أمام الناس أيسر بكثير من المسئولية أمام الله .. لذلك كانت القاعدة الشرعية ـ "الإنسان معذور بجهله" ـ .. و أنت حين تسأل نفسك ما الفرق بين الشخص الذي يعرف أنه مريض و الشخص الذي لا يعرف تدرك تماماً جحيم المعرفة .. إليك مثالاً آخر .. لم يكن الطعام فيما مضى يدعو إلى هذا الكم من الشك و الحيرة .. كان الأمر بسيطاً .. أنا فقط لا آكل ما لا أستطيع شراءة و ما لا أحبه و البيض و السمك حين أُصاب بالبرد .. و مع ظهور الإنترنت تغير ذلك كله .. فهناك هرم غذائي .. ثم هرم غذائي مقلوب .. الخبز خطر و مع ذلك الجسم يحتاج إلى النشويات .. البروتين مهم و لكن أكل الدجاج يجعلك جباناٌ .. البيض أفضل الطعام .. إحذروا أكل البيض .. اللبن .. اللحوم .. الأسماك .. الفاكهة و الخضروات .. لا تكاد تصل إلى قناعة أن نوعاٌ من الطعام مفيد حتى يخبرونك بعكس ذلك .. و هكذا أصبحت كل معلومة تثير ريبة و كل باب من أبواب المعرفة هو باب من أبواب الجحيم .. فالمعرفة تبدأ بالشك و لا تنتهي باليقين .
نعيم الجهل و جحيم المعرفة
التعليقات
أفهم ما تعنيه لكن هناك حكمة أجنبية تقول: "مع المعرفة العظيمة، تأتي مسؤوليات كبيرة" فعلى قدر معرفة وفهم الشخص تأتيه مسؤوليات مناسبة لذلك وهذه هي الحياة، فلكل شيء ضريبة، وهذه هي ضريبة العلم والمعرفة، ثم إن تم تخيرك ما بين العلم والجهل فماذا ستختار؟
أما بالنسبة لمسألة الطعام فهناك ثوابت يمكن معرفتها بالبحث والتدقيق السليم، كما أن علينا الاستماع لجسدنا وخاصةً فيما يسبب لنا التعب.
أعتقد المشكلة في وقت اكتسابها عندما نعرف معلومات كثيرة قبل أن نكون مستعدين لها نشعر بحيرة وضغط بدل ما نستفيد منها لكن لو جاءت المعرفة بالتدريجي وفي الوقت المناسب تكون أوضح وأسهل في الفهم وأقل تشتت بالنسبة لما نعانيه الآن في موضوع الغذاء فبرأيي راجع لأننا كدول عربية لم نعتمد على أنفسنا ولم نقم حتى ببحث واحد كنا ننتظر معلومات جاهزة وتقارير نقوم بحفظها وترديدها للعامة فقط.
ذكرني تعليقك بنكته قديمة .. سافر رجل و زوجته للعمل بالخارج .. و كان للزوجة كلب اليف فتركوه في رعاية صديق الزوج .. و بعد السفر بفترة قصيرة تسلموا رسالة من هذا الصديق تفيد بأن الكلب مات .. فأصرت الزوجة على العودة لتوديع الكلب .. و عند عودتهم عاتب الزوج صديقه قائلا كان الأفضل ان الا تفاجأنا بالخبر فتخبرنا مثلا في رسالة ان الكلب نزل يلعب في الشارع .. و في رسالة اخري الكلب عمل حادثة .. و في رسالة الكلب مات .. و عند سفرهم اوصى الزوج صديقه بأمه .. و بعد سفرهم جاءت رساله من الصديق امك نزلت تلعب في الشارع😄
قد تأتي المعرفة بالمسؤولية لكن بدون مسؤولية لا توجد حرية، الشخص الحر هو من يتقبل قيود المسؤولية ويتعامل معها ببراعة، لكن من لا يعرف الكثير يعيش كأي فرد مفروض عليه قرارات من غيره ولا يملك كثير من الاختيار لنفسه.