«الجسور الورقية.. وصناعة أصنامنا البشرية»

  • APO_WAED_7

إنّ أخطر ما يهدد بنيان مجتمعنا اليوم هو الانزلاق نحو "تقديس الأشخاص" والثناء المفرط عليهم بمعزلٍ عن حقيقة أدوارهم؛ سواء كانوا مثقفين، أو علماء دين، أو أكاديميين، أو سياسيين. وإذا أردنا اختزال هذه المجالات في مفهوم واحد، فسيكون "المعرفة". بيد أنّ إدراكنا لهذا المفهوم أصابه التشويه؛ فالمعرفة في جوهرها وسيلةٌ للإصلاح وليست غايةً في حد ذاتها، لكنّ تغلغل الفهم المغلوط جعل الناس يتعاملون معها كهدف نهائي، مما أفقدها روحها وتأثيرها الفعلي في النهوض بالواقع.

إنّ معركة الإصلاح المجتمعي قضية شائكة تتطلب، أولاً وقبل كل شيء، التخلص من الأفكار المسمومة وتفكيك الأسئلة المعقدة التي تؤرق الوعي الجمعي. وهنا تبرز مسؤولية "أصحاب المعرفة" بوصفهم القبلة التي يتجه إليها الناس بحثاً عن الإجابات. وفي هذا السياق، يمكننا تقسيم هذه النخب إلى فئتين: فئة نافعة تسعى للتغيير، وفئة باتت عبئاً ثقيلاً على كاهل المجتمع.

يتحول المثقف أو السياسي إلى عبء حين يحصر معرفته في إطار الترف الفكري، أو حين ينتهج سياسة "الاستيراد العشوائي" للقيم. فمن المؤسف أن نرى مثقفاً يتبنى حلولاً معلبة (أمريكية أو فرنسية أو غيرها) لمشكلات نابعة من بيئتنا الخاصة، دون مراعاة لاختلاف الظروف والسياقات. وللأسف، تمدد هذا الاستلاب ليصل إلى المناهج الجامعية وأنظمة الحكم، التي أصبحت في كثير من جوانبها نسخاً كربونية مستوردة من الغرب.

أما الرسالة الجوهرية التي يجب أن نعيها، فهي أن الثناء المطلق والقبول الأعمى لكل ما يصدر عن هؤلاء "الرموز" هو حكمٌ اختياري بالتبعية؛ حيث يسلب الإنسان فكره ويتحول تدريجياً إلى كائن مُساق. ولعل أكبر دليل على هذا الواقع هو تجريد الإنسان البسيط —الذي لا يملك منصباً أو منبراً— من شرعيته في التعبير، مقابل منح نفوذ مطلق للنخب على عقول الجماهير.

إنّ استمرار هذا النهج يحولنا إلى "روبوتات" تُبرمج عقولها بإرادة غيرها، خاصة وأن الكثير من هؤلاء لا يتجاوز دورهم كونه "جسراً" ينقل ما في الكتب إلى الناس دون إبداع أو نقد. إنّ حاجتنا إليهم لا ينبغي أن تتجاوز حاجتنا للكتاب ما داموا مجرد ناقلين، بينما الواجب يحتم عليهم المساهمة الفعالة في التغيير. وإذا عجزوا عن ذلك، فعلى المجتمع أن يسترد تلك الشرعية التي منحهم إياها بجهل، ليعيد الاعتبار للعقل والوعي المستقل.

Mohammad✍️

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طرح يثير الاعجاب، ارى بان الثناء على الشخص ليس قدسية، لان الابداع ايا كان مجاله يستحق التقدير، وانا ضد فكرت القبول الفكري الاعمى من اي فكر كان لان الافكار هي جوهر التغيير ولايمكن اعطاء فرصة للتلاعب بها من اي جهة كانت.

الدعوى ليست للتخلي عن المفكرين و قدوات المجتمع بل هي لعدم تقبل كل ما يخرج من أفواههم بجهل لأنهم بالنهاية غير معصومين

أما عن أحترامهم فهو واجب بمثل أحترام أي شخص آخر

. ولعل أكبر دليل على هذا الواقع هو تجريد الإنسان البسيط —الذي لا يملك منصباً أو منبراً— من شرعيته في التعبير، مقابل منح نفوذ مطلق للنخب على عقول الجماهير.

اعتقد ان في العصر الحالي صار اي شخص يملك منبر ويمكنه كتابه اي شئ علي وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة مبالغ فيها بل ربما المشكلة الحالية ان الجماهير تغيب نفسها بنفسها عن طريق استخدام تلك الوسائل في التكريس للخطاب الذي يستعبدها

الثقة في اهل الخبرة أحيانًا ضرورة، خاصة في مجالات معقدة، ولا يمكن النظر اليهم كفئتين فقط (نافعة أو عبء) لان هذا يعارض مساحة واسعة من الاجتهاد البشري. والقبول بارائهم لا يعني فقدان الاستقلال الفكري، احيانا نحتاج راي مبني على خبرة وتجربة أطول.

لا أقول بأننا لسنا بحاجة إليهم و لكني أحذر من قبول كل شيئ يصدر منهم، فكما يخرج الحق من أفواههم قد يخرج الباطل أيضاً، وكذلك أنا وأنتي وكل نفس بشرية في هذا الزمان

أما سمعتي شخص يتعصب لرأي أو فكرة فقط لأنه سمعها من "أسم كبير"

بالطبع في كل مجال هناك اشخاص مؤثرين وثقة واشخاص اخر يأخذون برأيهم محل ثقة فعلا، الفكرة ان ننتقي جيدا الاشخاص الذين نعتبرهم مرجع ونعتبر ارايهم مصدر ثقة. وتعصبه للرأي لانه من اسم كبير ليس من فراغ هو يتعصب لانه بالنسبة له هذا الاسم هو محل ثقة وتأثير ووقتها علينا توضيح لم هذا الشخص ليس محل ثقة اصلا بالدليل.

لا يبرر التعصب لشخص ما بأنه ذو علم أو معرفة فمهما بلغنا من العلم و الحكمة و المعرفة سنبقى عرضةً للخطأ ولا يعتبر الخطأ عيباً بل التعصب له بجهل هو العيب

هناك نوع من الاشخاص او علي الارجح طبقة وفكر متواضع لا يستطيع لا اراديا ان يتبني وجهة نظر خاصة به لذلك تجد آرائهم عبارة عن مجموعة من اراء بعض الاشخاص من هنا وهناك، وغالبا لا يدركون ذلك ابدا الا عندما يقعون في مشكلة.