يا من تتدثر بمثل وحدتي وتلتحفُ رداء الكونِ الأسود أراكَ والدمعُ يقطرُ من عينيك وأنت ترقبُ السواد أو تتأملُ النجوم أو تبثُّ لواعجك للقمر
لقد أحاطت بك الكروبُ إحاطة السوار وطوّقتك الهمومُ حتى أثقلت كاهلك تذرفُ الأسى على فراقٍ مضى أو ترجو فراقاً لم يأتِ بعد أأنت ممن أطاعتهُ دموعه فانسكبت لتغرق في طريقها أشجار الأمل أما من من خانتهُ وعاندت فهو الأشدُّ وجعاً إذ تقفُ الدموعُ حائرةً تماطلُ في الجود وتأبى أن تقضي دَين العينِ الجريح
يا من غدا يتألمُ لماضيه أو يتجرعُ مرارة مستقبله أو يرهقهُ التفكير فيما وراء الغيب
أيها الموجوعُ صبراً إن مع العسر يُسراً اصبر واحتسب فلستَ أولَ من رماه الكربُ بسهامه ولن تكون آخر من يطرقُ البلاءُ بابه فقد عبر هذا الجسرَ قبلك كثيرون فما لكَ تضعفُ وقد قوى غيرك
تأمل في أحوال الورى فكم من فاقدٍ يذوبُ ألماً على أحبةٍ فارقوه استدرجوا قلبه حتى تعلّق بهم ثم غادروه فجأةً كأن لم يكونوا قط تركوه في منتصف الطريق يصارعُ أشباح ذكراهم ويبحثُ عن أثرٍ لخطواتهم في زوايا الحنين فغدت حياته من بعدهم قفراً والذكرياتُ نِصالاً تُمزقُ ما تبقى من صبّره وكم من مُبتلىً "بإنسانٍ" لم يتبقَّ فيه من الإنسانية إلا رسمها له يدٌ لا يستعملها إلا للبطش ولسانٌ لا ينطق إلا بكلماتٍ تدمي الروح وتفوقُ نصل السيف حدةً تراه بعيونٍ مقطبة كأعين البشر لكنه جسدٌ خاوٍ من قلبٍ يتألم أو عقلٍ يؤنب
أفيُسمى مثل هذا عند الناس إنساناً ربما في ظاهر الهيئة نعم أما عندي فلا بل هو وحشٌ ارتدى جلد البشر فتشابهت الأشكال واختلفت الطبائع وإذا استحكمت في النفس طباع السوء فلا الأدبُ يغيرها ولا وعظُ الأديبِ يجدي فيها نفعاً
قد تقولُ في نفسك ما أثقلَ كلمة الصبر وكيف لمن لا يعرفُ مكمن دائي ولا ليس بلاؤه كبلائي أن يعظني فأجيبك بلسانِ من ذاق المرار ليست من تكلمك بأهون منك حالاً فما تدري أيُّ ريحٍ عصفت بها ولا أيُّ عسرٍ أحاط بقلبها
فلا يعرفُ الألمَ إلا من كابده ولا يحسُّ بالوجعِ إلا من سهر لياليه وقد أصابني من ذلك ما أصابني حتى غدوتُ أحقَّ بالوعظِ من سواكم ولكنني آثرتُ أن أكون لكم مواسية لأنني -في أوجِ انكساري- لم أجد من يواسيني فأردتُ أن أهبكم ما فقدتُه وأبني لكم جسراً من الأملِ أعبره وحيدة
فلا تيأسوا وأبشروا إن نصر الله قريب وإن لم يكتملْ جَبرُ القلوب في الدنيا ففي الآخرة ميزانٌ لا يظلمُ مثقال ذرة ولن يخذلكم الله وسينتقمُ من عدوكم فقد حرّم الظلم على نفسه صبراً فلعل الله يجمع شتات شملكم عما قريب
فيارب فرّج كرب كل مكروب وآنس وحشة آلامه ويسّر أمره وأرِهِ الخير معجلاً في الدنيا قبل الآخرة
التعليقات