متى يتحول اللطف إلى استنزاف دون أن ننتبه؟

لفترة طويلة كنت أتعامل مع قدرتي على الاحتمال كأنها ميزة شخصية، ومقتنعة أن اللطف ان أكون متاحة دائمًا.الي ان مررت بموقفين غيرو رأيي رغم بساطتهم.

أول موقف كان صديقة تكرر مكالمات ورسائل في أوقات غير مناسبة مثل نهاية اليوم، عادة كنت أستمع حتى وإن كنت مرهقة. بل أنهي المكالمة وأنا أشعر بالذنب إن حاولت اختصارها. احتاج الأمر وقتًا لأفهم أن حقي في الراحة لا يجعلني شخصًا أقل لطفًا، وأن إنهاء المكالمة أو تأجيلها ليس قسوة بل حدود واضحة.

الموقف الثاني كان مع طلبات متكررة في العمل في أمور يمكن للآخرين إنجازها بسهولة وليست من مهامي الاساسية. كنت أوافق على حساب وقتي.

احيانا الحدود تبدو كأنها ضعف أو أنانية، بينما الاستنزاف يبدو كأنه طيبة. لا اقصد الدعوة إلى القسوة، بل محاولة تمييز بين ما نمنحه عن وعي وما نقدّمه على حساب أنفسنا دون انتباه. الحدود بالطبع تختلف من شخص لاخر حيث يحدد هو متى يكون العطاء اختيارًا صحيًا، ومتى يتحول إلى عبء صامت.

.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ما تصفينه من وجهة نظري نُضجا حقيقيا، فإن أخطر ما في غياب الحدود هو أنه يتيح للآخرين استنزافنا بدون وجه حق، والأكثر مصيبة من ذلك أن هناك فكرة سامة تسربت إلينا من أهالينا، وهي "التعب ثمن طبيعي للمحبة" والتي تجعلنا نشعر بالذنب والخيانة حين نرفض العطاء في موقف ما.

بالضبط المشكلة ليست في العطاء نفسه، بل في غياب الاتفاق الصريح على حدوده، وكأن المحبة لا تُثبت إلا بالمعاناة. لان هذه الفكرة اصلا ورثناها، ومع الوقت اصبحت معيار أخلاقي. وبالطبع النضج هنا لا يعني القسوة ولا الانسحاب من العلاقات، بل إعادة تعريف المحبة فقط انها مساحة أمان لا اختبار تحمل.

ما ذكرته يناقشه كتاب تعلم أن تقول لا هو أن القدرة على وضع حدود واضحة ليست أنانية، بل علامة نضج ووعي بالذات. كثير منا يختلط عليه الأمر بين اللطف والاستنزاف، ويعتقد أن قول لا يعني قسوة أو خيانة للآخرين، بينما في الحقيقة، رفض الطلبات غير الضرورية أو الضاغطة يحمي طاقتنا ويتيح لنا العطاء الحقيقي حين نختاره عن وعي.

لقد سمعت ملخصا لهذا الكتاب وما يلفتني في الفكرة التي يطرحها ويتقاطع معها طرحك – هو أن الحدود ليست رفضًا للآخر بقدر ما هي احترام للنفس. المشكلة أن كثيرين تربّوا على ربط القبول الدائم بالطيبة، والرفض بالأنانية، فكبروا وهم يقدّمون أنفسهم كمساحة مفتوحة للجميع ثم يلومون العالم حين يُستنزفون.

اللطيف حقًا ليس من يقول نعم في كل مرة، بل من يعرف متى يقول نعم، ولماذا يقولها. لأن العطاء الذي يأتي من خوف أو شعور بالذنب لا يصنع علاقة صحية، بل يصنع اعتمادًا غير متوازن. ومع الوقت، يتحول اللطف إلى عبء، وتتحول العلاقات إلى التزام ثقيل لا اختيار حر.

البذل وايثار راحة الآخرين وتحمل المشقة لجلب منفعة للغير وغيرها من الصفات

كلها شيء إيجابي بشرط واحد فقط وهو أن يتم فعلها بوعي وليس خوفاً من تأنيب الضمير أو لوم الآخرين

نقطة أخرى مهمة.. أحياناً يكون واجباً علينا أن نفضل الآخرين علينا وإن لم نغعل ذلك نكون أشخاص غير مخلصين.

مثلاً أتيت من العمل متأخرا وأريد النوم ووجدت صديقي في مشكلة ما يريد حلها وبإمكاني مساعدته..إن لم أسهر معه وأساعده لا أكون صديق جيد أو شخص جيد

أتفق معك في أن البذل حين يكون واعيًا ومختارًا يظل قيمة إنسانية نبيلة، لكن الإشكال يبدأ عندما نربط الأخلاق دائمًا بفكرة التضحية الكاملة. ليس كل موقف يستدعي أن نُثبت إخلاصنا على حساب أنفسنا، لأن الإخلاص الحقيقي لا يُقاس فقط بما نخسره، بل بما نملكه لنقدّمه دون أن ننهار. أحيانًا يكون الامتناع المؤقت عن المساعدة هو شكل من أشكال الصدق مع النفس، لا أنانية ولا خذلان.

مشكلتي تكون مع الاستغلال، وهو أسوأ تأثيرًا على النفس من الاستنزاف، لأن إدراكه يؤول إلى الجانب الآخر تمامًا، يعني قد نضطر إلى إنهاء علاقة تمامًا بسبب هذا الشعور، لا نحاول حتى الوصول إلى مرحلة بينية، وهذا لأن شعورك بإنك مُستغَلة من المحيطين، والتعامل مع الأمر واجبًا عليكِ وليس تضحية بوقتك ومجهودك، ويصل في العمل إلى إلزامك به دون وجود تقدير مادي ملائم، كل ذلك يرينا جزء من الحقيقة، أن العطاء بلا حساب هو تغاضي عن حقوقنا في المقابل، ولذلك من الأفضل أن يكون اللطف لا يصل إلى مرحلة الإنهاك النفسي.

بالضبط، هذا الفرق بين الاستنزاف والاستغلال مهم جدًا. الاستنزاف قد يُحتمل أو يُعاد تنظيمه بالتواصل أو حدود صحية، لكن الاستغلال يشبه انتهاك الحقوق بطريقة مباشرة، ويترك أثرًا نفسيًا أكبر لأنه يحوّل العطاء من اختيار إلى واجب مفروض.

لذلك، كما ذكرتِ، العطاء بلا حساب يصبح تهديدًا للاستقرار النفسي، ومن الأفضل دائمًا أن يكون اللطف مصحوبًا بحدود واضحة، بحيث نحمي أنفسنا دون أن نفقد القدرة على العطاء بوعي واختيار.