لماذا نتألم من توقع الألم أكثر من الألم نفسه؟

يميل الإنسان، بفطرته الإدراكية، إلى تضخيم المخاطر قبل وقوعها. فالخوف لا يتجه نحو الحدث نفسه بقدر ما يتجه نحو صورته المتخيلة، وعند مواجهة موقف غامض أو احتمال غير مؤكد تستنفر النفس أدواتها الدفاعية وتشرع في بناء سيناريوهات تتجاوز ما يسمح به الواقع، هذه السيناريوهات تتغذى على التجارب السابقة والتحذيرات الاجتماعية والقصص المتداولة والقلق الجمعي، حتى يتحول الاحتمال إلى ظن متخم بأعلى درجات التوقع السلبي.لكن المفارقة تتجلى عندما يدخل الإنسان فعلياً في الحدث الذي كان يخشاه؛ فغالباً ما يكتشف أن قدرته على الاحتمال أعظم مما قدّر، وأن المواجهة العملية تكشف عن طاقات لم تُستثمر وعن مرونة نفسية لا تظهر إلا تحت الضغط. وهنا يتضح الفرق بين الخوف من الألم والألم نفسه: فالأول يبدو غير محتمل، بينما الثاني عند وقوعه يمكن استيعابه والتعامل معه.

فإذا كان الخوف يحدث في الذهن قبل أن يحدث في الواقع، فمن المسؤول عن تضخيمه ،طبيعتنا؟ أم تجاربنا؟ أم الثقافة التي نعيش داخلها؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

نعم هذا صحيح ومقولة الامام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه صحيحة: الناس من خوف الفقر في فقر و من خوف الذل في ذل ومن خوف المرض في مرض. وكنت قد قرأت أن بعض الناس المحكوم عليهم بالإعدام وتطول مدة التنفيذ ولا يعرفون متى يموتون فعلاً بلا إعدام من وهمتصورهم او تضخيم خيالهم! أنا مررت بتجربة قاسية جدًا في هذا إذ تعرضت لما يعرف بفلاشات الشبكية في أطرافها نظرًا لضعفها ومع أني ذهبت للطبيب وطمانني أن لا خطر منها إلا أن لو رايت ما يشبه الستارة السوداء أو ازدادت حدتها وزغللة في النظر إلا أن ألمي لمجرد ما قد يحدث أضر بي ضررًا بالغًا كاد يقتلني لاحقاً! كنت انتظر العمى في كل لحظة وكان هذا يمنعني النوم مما يضاعف من تلك الفلاشات وكنت من فرط ألمي المتوهم وخوفي الدائم أكاد أبات عند الطبيب!!! كذلك كنت أتصفح العديد من المواقع الطبيبة الأجنبية و العربية وكذلك أطالع تجارب من في مثل حالتي وأقرأ عن كثير من أمرض الشبكية واعتلالها حتى أني توهمت أني مريض بكل ألوان الأمراض! ولكن لاحقاً تعلمت بالطريقة الصعبة اني لا أستطيع أن أسيطر على كل شيئ وأني لابد أن أترك شيئا للأقدار تعلم عملها فيه فما هو مكتوب سيكون..

كذلك كنت أتصفح العديد من المواقع الطبيبة الأجنبية و العربية وكذلك أطالع تجارب من في مثل حالتي وأقرأ عن كثير من أمرض الشبكية واعتلالها حتى أني توهمت أني مريض بكل ألوان الأمراض

وهذا الجزء المرعب من التفكير المفرط بما سيحدث وصنع سيناريوهات مبالغ في درجتها عن الواقع بل ويحلل كل المعلومات ويطبقها على نفسه وقد يكون هو المشخص لحالته إن كان به مرض ولا يثق بالأطباء، فيفقد الشخص قدرته على التحكم في تفكيره وقد يصاب بنوع من القلق الدائم الذي قد يؤثر على حياته اليوميه

طبعا القلق من الألم هو آلية دفاعية ضرورية وذكية من العقل لتنبيهنا وتحفيزنا على تجنب الكوارث، لكن القدرة على الاحتمال التي تظهر تحت الضغط عند وقوع الموقف ذاته ليست مرونة نفسية بل قد تكون حالة من الصدمة أو تبلد المشاعر الذي يفرضه الجسم لكي لا ينهار تماماً بسبب الالم الحقيقي.

إن الفجوة بين هيبة الموقف قبل وقوعه وبين بساطته عند حدوثه تعكس حقيقة أن العقل يعمل كمخرج سينمائي يبالغ في المؤثرات الدرامية طالما أننا بعيدون عن المسرح. فعندما نفكر مثلاً في إلقاء خطاب أمام جمهور، يصور لنا الخيال تعثر الكلمات ونظرات السخرية، لكن بمجرد الصعود والبدء، يكتشف الشخص أن تركيزه انصب كلياً على إيصال الفكرة وتلاشت تلك السيناريوهات المرعبة؛ لأن العمل الفعلي يطرد الأوهام الذهنية ويستحضر القوة الكامنة.رهذه الحالة ليست مجرد تبلد للمشاعر، بل هي تحول ذكي من قلق التوقعات إلى تركيز التنفيذ، حيث يكتشف الإنسان أن الألم أو الحرج الذي كان يخشاه ليس وحشاً كاسراً بل هو تحدٍ يمكن التعامل معه وتجاوزه. وفي حياتنا اليومية، نجد أن أصعب خطوة في أي مشروع ثقيل هي لحظة ما قبل البدء، فبمجرد أن نضع أيدينا في العمل، نكتشف أن طاقتنا على الإنجاز كانت أكبر بكثير مما كنا نتخيله ونحن جالسون خلف مكاتبنا نعدد المخاطر. إن إدراك هذه الحقيقة يغير نظرتنا للأزمات، ويجعلنا نثق فى نسختنا التي تواجه أكثر من ثقتنا في نسختنا التي تخاف وتتخيل

توقع الألم هو أمر طبيعي يحدث لمعظمنا، نتيجة إعتقاد خاطئ بأن الشخص إذا توقع الأسوأ سيكون أكثر إستعداداً له، وسيستطيع مجابهته، ومع الأسف أحياناً العقل يهيء الشخص أن يقع فيما سيؤلمه دون أن يُدرك حتى، وهو ماينطبق على مقولة كل متوقع أتٍ، فتحضير النفس مُسبقاً لاستقبال الألم، يجعله لا يعيش اللحظة، وينغص عليه معيشته، ويُسيء الظن لأي تصرف أو موقف. فالمسئول الوحيد عن تلك الأفكار هو معتقاداتنا الداخلية فإن عالجناها سيصبح الأمر اسهل.

أتعلمين يا ياسمين.. توقّع الأسوأ لو هو جزء من تمرين العقل (لمدة وجيزة) على الخروج بحِيَل وخطط للتعامل مع الأسوأ، فهو آلية لطمأنة العقل فعلًا، وزيادة القدرة على حل أي مشكلة قد تحدث (وهو أحد الأساليب الفعلية للتعامل مع القلق المزمن)، أمّا عند تحولهّا لأسلوب حياة يومي، فهو الأكثر أرقًا، لديًّ تجارب شخصية مع القلق من السيناريوهات السيئة، درجة الألم الجسدي، مع أنني كنت أعرف إنها تصورات عقلية فقط، مبنية على مواقف سابقة وتخيلات مستقبلية، ولكنني اكتشفت لاحقًا أنه من الأساليب الجيدة مثلًا في حالة الدخول الفعلي في هذه الحالة، هو الإلهاء الفوري، أو العمل المكثف على أمر يحتاج إلى مجهود ذهني كبير حتى تمر هذه النوبة.

أوافقك الرأي تماماً، فأنا أيضاً بمجرد دخولي في توقع تلك السيناريوهات أعود إلى تمارين تعلمتها من المعالج الخاص بي للتركيز على اللحظة الحالية وتشتيت ذهني عن أي مُلهيات.

لكن المفارقة تتجلى عندما يدخل الإنسان فعلياً في الحدث الذي كان يخشاه؛ فغالباً ما يكتشف أن قدرته على الاحتمال أعظم مما قدّر، وأن المواجهة العملية تكشف عن طاقات لم تُستثمر وعن مرونة نفسية لا تظهر إلا تحت الضغط

ينزل البلاء ومعه اللطف، سبحان الله.

لكن هناك في بعض المواقف تكون التوقعات أحن بكثير من الواقع، وتتلاشى القدرة على الاحتمال مع نزول البلاء لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى.

رأيت بعيني زملاء لي في الجيش وهم ينازعون الموت بسبب مرورهم بتجارب قاسية، منهم من أخذ ينزف من فمه وأنفه وهو نائم حتى ظننا أنه سيموت، وهناك من دخل في حالة نفسية جعلته يفكر في الانتحار ولعياذ بالله، وهناك من أصيب بأمراض خطيرة.

أرى أن الاستعانة بالله أفضل من أن نحاول التخفيف من حدة ما سيحدث لأن بعض المواقف لن يستطيع الإنسان مواجهتها بمفرده مهما كانت قوته

أرى أن الاستعانة بالله أفضل من أن نحاول التخفيف من حدة ما سيحدث لأن بعض المواقف لن يستطيع الإنسان مواجهتها بمفرده مهما كانت قوته

صحيح فالإيمان هو الوسيلة الوحيدة التي تجعل كل الأشياء هيّنة علينا والتسليم لأمر الله قادر على أن ينتشلنا من مخاوفنا وأفكارنا.