معدن الأرواح
لسان حالكم كما هو… بلا تزيين وبلا تهذيب يزيده نعومة على حساب الحقيقة.
لم تكن الحرب مجرد رصاص اخترق الجدران، ولا ركامًا تناثر فوق البيوت… الحرب لم تبدأ عندما سقط أول شهيد، ولم تنتهِ عندما توقف هدير المدافع. الحرب الحقيقية كانت في الداخل، في تلك اللحظة التي كُشف فيها الغِطاء وظهر كل شيء على حقيقته: الأصدقاء، الأزواج، الأقارب، والجيران… وحتى أنفسنا.
لقد ظننا أننا نعيش بين إخوة؛ فإذا بالابتلاء يجرّد الوجوه من مساحيقها، وينزع الأقنعة كما تُنتزع الثياب من جسدٍ عارٍ. فجأة رأينا حقائق الناس، حقيقة من يبتسم وهو يحسد، ومن يعانق وهو يطعن، ومن يعد وهو يكذب، ومن يقسم بالله كاذبًا كأن الله غائبٌ عن المشهد.
الزوجة حين افتقر زوجها…
يا للهوان! كم رأينا من نساء كنّ يرين في الزوج بنكًا لا رجلًا، خزنة لا سندًا. اختفى المال، فاختفت معه الأنوثة والوفاء والرقة، وخرجت مخالب الذئاب من تحت أثواب الحرائر… فانكشفت البيوت، وتساوت العشرة مع التراب.
الصديق حين اشتدت الشدة…
أحباب كانوا يملأون الديوان صخبًا، ويقسمون أن “نحن الرجال وقت الضيق”. وعندما جاءت الضيقة، لم نجد إلا الغبار خلفهم. كانوا أول من أغلق الهاتف… وأول من قفل الباب… وأول من قال “أنا مالي”.
وفي المقابل، جاء غرباء بلا نسب ولا تاريخ، يمدّون اليد، يواسون، يقاسمون اللقمة والظل، ليقولوا لنا: الأخوّة لا تُكتب في شهادة الميلاد… الأخوّة تُكتب في ساعة الكرب.
الكريم عند الحاجة…
هناك من يملك الكثير، لكنه يَضِنّ بالقليل… ومن يملك القليل لكنه يعطي الكثير. وما أقبح ذلك الرجل الذي يملك مفاتيح الخير كلها، ومع ذلك يترك أخاه في العراء، بينما يبتسم في وجه الناس وكأنه وليٌّ من أولياء الله.
المؤمن عند البلاء…
من الناس من تكسّرت روحه عند أول محنة، ومنهم من لم يزدهم الخراب إلا نورًا؛ يقوم الليل على الركام، يكبّر فوق الخوف، ويقول: “لك الحمد يا رب حتى ترضى”.
وأما نحن…
فقد وقفنا على التل، ننظر إلى كل هذا الانهيار حولنا، ونتساءل:
هل كنا نعيش بين بشر أم مجرد ديكور؟
هل العِشرة كانت أصيلة أم مجرد تمثيل طويل انتهت مسرحيته؟
لقد كشفت الحرب سوأتنا، وفضحت سترنا، وأزاحت الستار عن مسارح عرضنا. رأينا بأعيننا أن بعض “الإخوة” ليسوا سوى تماثيل من ملح، وأن بعض الزوجات لم يكنّ سوى أدوار مؤقتة، وأن بعض العلاقات كانت تقوم على المصلحة لا المروءة.
يا للعار… ويا لجمال الحقيقة رغم قسوتها.
لكن — ورغم كل الدم والخذلان — خرجتم بربح لا يُشترى:
عرفتم معدن كل نفس.
وعرفتم أن من يبقى معكم وأنتم على الأرض… هو وحده من يستحقكم وأنتم واقفون.
الحرب
انتهت في اللحظة التي عرفتم فيها من هو صديقكم الحقيقي ومن هو غريبكم.
وأهلك العرب قالوا:
إنما تُعرَفُ الرجال عند الشدائد، وتُختبَرُ النفوس عند الفاقة، ولا يثبت على المروءة إلا أصيلُ المعدن، أمّا الزيف فيذروه أولُ ريح.
والله المستعان