غباء التاريخ

ما أغرب أن يتقاتل الناس عقودًا من أجل قضية لا يعرفون أصلها، ولا يستفيدون من نهايتها.

يتوارثون الكراهية كما يتوارثون أسماءهم، يرفعون الشعارات نفسها التي رفعها أجدادهم، دون أن يسأل أحد:

من المستفيد فعلًا من هذه النار؟

في كل زمن، يظهر من يملك القدرة على تحويل الاختلاف إلى معركة. يلوّح بالمقدّس، فينقاد له العوام بإيمان صادق، وجهلٍ أصدق.

من هناك تبدأ الحكاية القديمة:

الناس تموت دفاعًا عن راية لا تعرف من صنعها، ويُدفن العقل باسم الولاء.

لم يكن الدين يومًا هو المشكلة، بل العقول التي أغلقت أبوابها وفتحت أفواهها للشعارات.

وما أسهل أن تُقاد الجماهير حين تخلط الإيمان بالطاعة، والعاطفة بالعقيدة.

التاريخ لا يُعيد نفسه؛ نحن من نعيد الغباء نفسه كل جيل، بنفس الأناشيد، وبنفس الحماس، وبالنتيجة نفسها ،رماد جديد يغطّي أطلال وعيٍ قديم.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أظن أن ما يحدث سببه أن من يملك السلطة دائمًا أذكى من الجماهير، يعرف كيف يشعل النار دون أن يحترق بها. لذلك الغباء في ظاهره جماهيري، لكنه في جوهره نتيجة تلاعب متقن.

أحيانًا لا يكون الغباء فعل الجماهير، بل نتيجة تصميم متقن لمن يملك السلطة. هم يعرفون كيف يحركون الأحداث ويشتعلون بالفتن دون أن تمسهم النيران، بينما يعتقد الناس أنهم يقررون بأنفسهم، فيكونون في الحقيقة جزءًا من لعبة محكمة لمصلحتهم. الغباء إذاً ليس طبيعياً، بل مخطط له بعناية.

التاريخ يجب ان يكون للعظة والتعلم وتدارك الأخطاء لكن لا احد يقرأ التاريخ فيكرهون نفس الأخطاء

أي قضية تقصد؟

كل قضية تشرذم وتفتت وتفتن وتحقق الانقسام والصراع والانكى تمتطي الدين لبلوغ غاياتها النفعية والشخصية.

كلامك ذكرني بسائق تاكسي ركبت معه انا وواحدة من معارفي، السيدة صديقتي من قرية معروف بشدة التعصب وقد عرفنا أن السائق من نفس القرية لكنه قرر أن يأخذ أولاده ويرحل عن القرية لأنه لا يريد أن يصبح أولاده متعصبين مثل أهل القرية، التي من الممكن أن يقتل أفرادها بعضهم لسبب تافه مثل شجرة !

تخيل تضيع حياة إنسان له أطفال وأم وأب لأن شجرة نبتت بين أرضه وأرض جاره وكل فرد فيهم يرى أنه صاحب الشجرة!

المهم نجى صاحب التاكسي بأبنائه، فهل يمكن أن ننجو نحن ايضا ؟

“كُنْ في الفتنةِ كابنِ اللَّبونِ، لا ظهرٌ فَيُرْكَبَ، ولا ضرعٌ فَيُحْلَبَ.”

حديث الإمام علي كرم الله وجهه.

التاريخ ليس غبيًا و الشعوب ليست كذلك وإنما هي أطوار تمر بها لابد منها ولا محيص عنها. يعني كلنا نذكر تلك الحروب الدينية التي كانت تشب أوارها بين طوائف المسيحيين في اوروبا قبل عصر النهضة وفي أوائله وكيف أن الآلاف كانوا يقضون فيها وهم يتعصبون ﻵرائهم مما نراه نحن باطل وتفاهة! لم تنتهي تلك الحروب وذلك التعصب المقيت إلا بعد أن وعت الشعوب وتقبلوا الإختلاف بينهم ونبذوا الفرقة وعذروا بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه وعاونا بعضهم بعضا فيما اتفقوا فيه. كذلك، لدينا لن يكون التاريخ غبي إذا كرر نفسه لدينا ولكن هي طبيعة الشعوب تتعلم بالتجربة و الخطأ وفي أثناء مسيرتها تصحح نفسها مرة بعد مرة حتى يتكون الوعي الجمعي الذي لا يسمح بما يسمح به اﻵن من اختلاف يقود إلى اقتتال على لا لاشيئ.

فكرة أن الشعوب تمر بأطوار من التعصب والخطأ وأن التاريخ يعيد نفسه لتشكيل الوعي الجمعي مريحة فكريًا لكنها خاطئة أخلاقيًا ومنطقيًا. تبرير الصراعات والحمق كـ‘مرحلة طبيعية’ يقلل المسؤولية عن الأفعال ويغفل أن الشعوب يمكن أن تتعلم من القيم والتعليم والمؤسسات قبل وقوع الكارثة. القول بأن الخطأ والاقتتال “ضروري” هو تعميم مخل يمكن أن يُستغل لتبرير الفساد والعنصرية والحروب، ويحول الفشل إلى شيء مقبول بدل أن يكون درسًا نعيشه بوعي ومسؤولية.

هذا ليس تبريرًا على الإطلاق وإنما استقرء لأحداث التاريخ كما اراه أنا وقد أكون مخطئا. وانظر حولك في تاريخ أعرق ديمقراطية في العالم وهي بريطانيا او من كانت بريطانيا مجتمعة تعلم انها مرت بما تمر به شعوبنا. يعني حتى الإنقلابات العsكرية حدثت هنالك وقام أولفر كرومويل بأعدام الملك تشارل الأول وحكم بالحديد و النار لفترة 13 عام تقريبا على ما أتذكر! ثم أنه كان يبسط التوراة أمامه في مجلس النواب ويحكم بها وكانت الحروب طاحنة بين الكاثوليك والبروتستانت. الشعوب تتعلم بالتجربة و الخطأ وهذا يستلزم وقت طويل لابد منه وعلى حسب ثقافة الشعوب ودرجة وعيها تنتقل سريعًا إلى التسامح ومعرفة الحقوق لبعضها البعض. كل ما هو لدينا حدث شبيهه لدى باقي الأمم ذلك لأن الإنسان لا يختلف في طباعه ومشاعره الأصيلة وحاجاته ما بين شعب وآخر. الإنسان هو الإنسان و الشعوب لا تتعلم إلا بعد أن تجرب وتخطي وتجرب وتخطئ فتتعب من الخطأ و الإقتتال فتصحح نفسها بنفسها فيما يكون أشبه بعقد اجتماعي جديد يتنازل فيه الجميع عن بعض حرياتهم وحقوقهم مقابل حفظ باقي الحريات و الحقوق...

التاريخ مليء بأمثلة على شعوب نجحت في احتواء الصراعات قبل تحولها إلى حروب دموية، غالبًا عبر الحوار، التوافق، القوانين، أو الإصلاحات التدريجية. هذا يبيّن أن التجربة والخطأ ليست دائمًا دمويّة، وأن التعلم يمكن أن يكون استباقيًا ومنظمًا إذا كانت الثقافة السياسية والاجتماعية تسمح بذلك.