في لحظات الألم، لا يحتاج الإنسان إلى العقل البارد بقدر ما يحتاج إلى القلب الدافئ. فالمتألم لا يبحث عن تفسيرٍ لِمَا يعيشه، ولا عن منطقٍ يعلّل له جراحه، بل يبحث عن يدٍ تربّت على كتفه، أو كلمةٍ صادقة تشعره أنّه ليس وحده في ميدان معاناته.

إنّ لغة العقل ولغة العاطفة قلّما تجتمعان في حضرة الألم. فالعقل يحاول أن يشرح ويحلّل ويضع الأسباب في معادلاتٍ منطقية، بينما الجرح النازف لا يفهم لغة الأرقام ولا التبريرات، بل يصغي فقط لصوت الحنان. إنّها لحظة يذوب فيها الإنسان في ضعفه، ويحتاج لمن يشاركه هذا الانكسار بصدق، لا لمن يُحاضر عليه في فلسفة التحمّل أو قوانين الحياة القاسية.

ومن أبشع المواقف أن ترى شخصاً يتألم، فتجلس بجانبه لتقدّم له محاضرة في علم النفس أو دروساً في الصبر وكأنّك طبيبٌ يشرح تشريح الألم. هو في تلك اللحظة لا يريد تفسيراً ولا وعظاً، بل يريد كلمةً طيبة، نظرةً صافية، وربما صمتاً مشبعاً بالرحمة.

إنّ أجمل ما يقدّمه المرء للآخرين في محنةٍ ما ليس الحلول السحرية ولا القوة الخارقة، بل نيّة صادقة بمساعدته ولو بالكلمة. فما يداوي الروح ليس المنطق المجرّد، بل الإحساس بأنّ هناك من يشاركه ثِقَلَ الألم ويحمله معه ولو للحظة.

ولعلّ هذه البساطة في المواساة، أن نقول "أنا معك" أو "أشعر بك"، أعمق من ألف تبريرٍ منطقيٍّ أو شرحٍ فلسفيّ. فالألم، في جوهره، ليس مسألة عقلية بل تجربة إنسانية، والعاطفة وحدها قادرة على أن تمدّ جسراً بين قلبين في لحظة انكسار.

ويبقى السؤال للقارئ:

في لحظات المواساة، أيهما ترجّح كفته؟ صوت العقل بتفسيراته، أم قلب العاطفة بدفئه؟