كانت نسخة مشوّهة صنعتها أيادٍ كثيرة: المجتمع، المدرسة، العائلة، وحتى الأصدقاء. كانوا جميعًا يحاولون أن يسكبوا فيّ قوالب جاهزة، ليصير وجودي امتدادًا لغيري، لا تجلّيًا لذاتي. ولو قُدّر لي أن أعود إلى الماضي، لما ترددت في اغتيال تلك النسخة، لأنها خانتني قبل أن أتعلم كيف أكون.

لكن، هل كان ذنبي أنني قبلتُ الدور؟ أم أن الذنب في العالم الذي علّمني أن الطاعة فضيلة، وأن الشكّ خطيئة، وأن السير خلف القطيع هو النجاة الوحيدة؟

نُولَد ونحن نحمل بذور الحرية، ثمّ تُنتزع منّا تدريجيًا حتى نتحول إلى كائنات آلية، نُساق بما يُملى علينا. منذ طفولتنا نُلقَّن ما ينبغي أن نرغب فيه، كيف ينبغي أن نضحك، كيف نصمت، وحتى كيف نحلم. وحين يكتمل البناء، نجد أنفسنا غرباء عن ذواتنا، ونعيش في نكدٍ دائم، لأننا نقاوم شيئًا لا نعرف شكله الحقيقي بعد.

القوانين تُصنع بيد الأقوياء، لا ليحفظوا العدل بل ليصونوا مصالحهم، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا نقاوم؟ إنهم أقوى، يملكون السلاح، المال، الإعلام، وكل أدوات تشكيل الوعي. فما جدوى أن نقف في وجه طاحونة تسحقنا؟

لكنّ الإجابة ليست سهلة. فالمقاومة ليست دائمًا لأجل الانتصار، بل لأجل ألا نموت ونحن نكذب على أنفسنا. المقاومة قد تكون محاولة صغيرة لإعلان: "أنا هنا، ولست مجرد ظلٍّ في مسرحهم".

أكره نفسي السابقة لأنها تخلّت عن هذه البذرة. لأنها فضّلت العيش في قفصٍ مزخرف، على أن تخسر راحتها في سبيل حريتها. وأكرهها أكثر لأنها ظنّت أن النجاة في الانصياع.