قوة الإلحاح

أمام الواجهة الزجاجية يتوقف طفلك و يطلب منك أن تشتري له هذه الدراجة الهوائية، ترفض بدورك هذا الطلب و تشد يده لمواصلة السير، إلا أنه يعود ليطلب منك للمرة الثانية، و ترفض من جديد، بعد قطع مسافة بعيدة عن دكان الألعاب ذاك ترجو أن ينسى طفلك سؤاله و يتشتت بما يراه من بهرجة و زخرف الأسواق، إلا أنه يعود و يطلب منك للمرة الثالثة و الرابعة و الخامسة، و تواصل أنت رفضك اللطيف تارة و الحازم تارة أخرى، إنك متعب و منهك و يشغل بالك عشرات الهموم و المشاكل، أما طفلك فقد فرغ فؤاده إلا من شيء واحد و هو تلك الدراجة، لذا عندما تمران من أمام عشرات الدراجات الساطعة المتباينة باللون و الحجم يقع ما كنت تخشاه و يعاود طفلك الترجي و الإلحاح بوتيرة أشد و أسرع، و هنا تخسر أنت في هذا النزال النفسي و تشتري سكوته بدراجة هوائية، و عند هذه اللحظة يكون دماغ طفلك الغض قد تعلم وسيلة سوف يستخدمها طيلة حياته للحصول على مبتغاه و هي الإلحاح و الإلحاح و الإلحاح إلى ما لا نهاية.

أظن أن أمراً كهذا قد حصل لزميلي الملحاح خلال طفولته، انظر إليه و هو يعود للمرة الخامسة إلى غرفة المدير لطلب إجازة اضطرارية، أسمع نفس الشكوى عن زوجته التي تعاني من ٱلام في الظهر و نفس علة المدير لعدم إمكانية حدوث هذا بسبب الظرف الاستثنائي الذي تمر به الشركة، لم يتغير شيء منذ خمسة أيام و أنا أسمع الحوار ذاته، لا أنكر أنني بدأت أشعر بالضيق من رؤية انسان يلح بهذا الشكل الذي يقارب إلحاح المتسولين، بل إنني احتقرت هذا الزميل لقلة إبائه و أنفته، شعرت بالرضى عن نفسي حين قارنت نفسي معه تذ أنني نادراً ما كنت أطالب بإجازةً و لا أذكر متى كانت ٱخر مرة حصلت عليها، فلم أكن بحياتي كلها ذلك الانسان الملحاح مثل زميلي المزعج هذا، فاجأني هذه المرة بأنه حصل على إجازته، فقد عاد إلينا مستبشراً هذه المرة، دفعني ذلك للتساءل، كيف أقتنع المدير هذه المرة؟ و بماذا يختلف طلبه الأول عن طلبه الخامس، نفس الصيغة، نفس الكلمات، نفس الحجة، و نفس الزوجة المعطوبة، لم أجد فرقاً سوى أنها المرة الخامسة و حسب. نعم لا نخفي عليكم أيها القراء أننا كنا نتشارك بشعور من الغبطة و الحسد من هذا الملحاح في وسط اغتيابنا له و عن أساليبه الدنيئة.

لماذا ننهار أمام الإلحاح؟

يبدو أن الانسان يصرف طاقة أكبر في قول كلمة "لا" عن قول "نعم"، أو أن الرضوخ لإرادة الٱخر هو الأصل في طبيعة الانسان، و من هنا اكتسب فعل المقاومة سمعته الحسنة في سلوكيات البشر. و قد يكون الإلحاح أيضاً باعثاً لأعمق الرغبات في نفوسنا البشرية و هو شعورنا بالأهمية، لذا قد نماطل بلا وعي منا عن تلبية سؤال الملحاح لأننا نريد أن نشحذ هذا الشعور أكثر و أكثر.

صراحةً لا أدري ما السبب لكنه لا شك أن الإلحاح يأتي بثماره أحياناً.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أن إنهيارنا أمام الإلحاح له دوافع لدينا لأننا نريد أن ننهي هذا الموقف بأي شكل ولعلمنا أن الشخص اللحوح هذا لن يصمت وبالتالي أمامنا طريقين لا ثالث لهما الأول وهو القبول ولهذا ننهي الموقف ونتقبل كافة توابعه المستقبليه التي لن تنتهي والثاني هو الرفض التام ولكن يترتب عليه بعض الأمور ومنها لو كان طفلا فهو سيبكي وهذا عائد إلى التربية في الأساس أما لو كان فردا كبيرا فنقوم بحساب ردة فعله فلو كان صديقا مقربا ورفضنا إلحاحه مع الوقت سوف نفقد هذه الصداقة من الطرفين لأن أما لو كان موظفا في المثال الذي طرحته فربما المدير انصاع لرغبته لأنه هذا الموظف مهم في الشركة أو أن المدير عطوف بطبعه ولا يحب أن يكسر بخاطر الذي أمامه أو ربما هو فقط يريد أن يزيح عن عاتقه هذا الزن.

صراحةً لا أدري ما السبب لكنه لا شك أن الإلحاح يأتي بثماره أحياناً.

لا أنكر أنه ينجح ولكنه مع الوقت سيزيد من غضب ونفور الأفرد من حول هذا الشخص بالتدريج وخاصة لو كان في محيط العمل والأصدقاء.

أظن أن هناك عدة أسباب تجعلنا ننهار أمام الإلحاح، منها:

  1. الضغط النفسي: الإلحاح يمكن أن يسبب لنا ضغطًا نفسيًا كبيرًا، خاصةً إذا كنا نشعر بالتعب أو التوتر أو الإحباط. فعندما يلح علينا شخص ما، فإننا نشعر أن عليه حقًا في الحصول على ما يريد، وأننا يجب أن نلبي طلبه.
  2. الخوف من الإحراج أو الرفض: نشعر بالخوف من الإحراج أو الرفض إذا رفضنا طلب شخص ما، خاصةً إذا كان هذا الشخص يلح علينا. فقد نشعر أن هذا الشخص سيغضب منا أو سيكرهنا إذا رفضنا طلبه.
  3. الرغبة في إنهاء الموقف: في بعض الأحيان، ننهار أمام الإلحاح لأننا نريد فقط إنهاء الموقف. فقد نشعر أن الإلحاح لا ينتهي أبدًا، وأن رفض طلب الشخص سيؤدي إلى المزيد من الإلحاح.

في حالة طفلك، فقد ننهار أمام الإلحاح لأنه يعتمد علينا بشكل كامل. فهو يعتقد أننا قادرون على تحقيق كل ما يريد، وأننا لن نرفض له طلبًا. كما أنه لا يفهم مفهوم الإحراج أو الرفض.

في حالة زميلك في العمل، فقد ننهار أمام الإلحاح لأنه يشعرنا بالذنب. فقد يشعرنا أن زوجته تعاني، وأنه يجب علينا مساعدته. كما أنه يستغل نقاط ضعفنا، مثل شعورنا بالمسؤولية أو الرغبة في إنهاء الموقف.

ذهبت بوصفك للإلحاح لموقفين مختلفين برأيي، الطفل الملح هو الصفة الغالبة بالأطفال يعني قلما تجد طفل غير ملح أو لا يطلب الطلب منا مرارا لأنها وسيلته في الحصول على الشيء، يعني لو لديه وسيلة أو طريقة أخرى بالتأكيد سيجربها، أما الرجل بعملك رغم أني أرى أن الإجازة هذه حقه وحق أي موظف، فمن المفترض أن لديك رصيد سنوي يحق له الحصول عليه ضمن إجراءات معينة، واضطر هو للإلحاح لشدة حاجته.

يبدو أن الانسان يصرف طاقة أكبر في قول كلمة "لا" عن قول "نعم"، 

على العكس، أرى أن من يقول كلمة لا يقولها بسهولة، ولا يصرف طاقة ولا يأبه لأن يأخذ وقت بالتفكير، على عكس قول نعم بها الكثير من المسؤولية وتحتاج لمساحة من التفكير لقولها

من خبرتي المتواضعة فإنّ التعامل مع الأطفال يتطلّب أن لا نستسلم أمام قوّة الإلحاح. فيوميًّا أتعامل مع أطفال يحاولون الحصول على ما يريدون بالقوّة والإلحاح. ومن المنطلق التربوي لا نستطيع الرضوخ لمطالب الطفل لأنّ هذا سيفسده. لذلك فأنا أطنش وأترك الطفل على هواه ولا أرضخ لمطالبه. وبالفعل ف بعد فترة وجيزة أجد أنّ الطفل رضخ للأمر الواقع واستسلم . وهنا يتحقق الهدف الأساسي من التربية وهو تنشئة طفل صالح وغير مدلّل.