هل لابد أن نعاني؟

الألم والمعاناة أمران لا مفرّ منهما للوصول إلى ذكاء كبير وقلب عميق" ديستوفيسكي

مقولة ديستوفيسكي هذه ذكرتني بعبارة قرأتها لصاحبها ولا أدري إن كان فعليا الألم ضروريًا من أجل صنع إنسان جيد. العبارة كانت تقول:

“ إنَّ الله إذا أحَبَّ عَبداً أنارَ بَصيرته.. ولا تُستَنار البَصيرة إلّا بالحُزن.. فَعِند الحُزن يرى المَرء حَقيقة كُلّ شَيء.. حَقيقة نَفسه، وحَال قَلبه، وصُحبته، وأهله.. حقيقة الدُنيا على حالِها، وما صارت إليه رَوحه.. تُدرِك بَصيرته جَمال الأشياء الَّتي مَرَّت عليه وتجاوزها على عَجل.. تتّصِل رَوحه بالسماء وتقترِب مِن الله أكثر، فَيجعل الله مِن كُلّ ذَرَّةِ حُزنٍ في نَفس عَبده “نوراً” يُضيء بِه بَصيرته حَتّى يُدرِك هَوان الدُنيا برغم جَمالها.. وحَقيقة الأشياء. ”

جزء من التراث الثقافي الذي يحمله العرب يتمحور فعليًا حول كون الدنيا هينة وأن الألم ضروري في الحياة وهو ما سألته لنفسي. جزء من تجربتي أدرك أن جزء من الألم الذي تحملته كان بسبب خروجي عن نواميس الله في الكون وليس لأن الحياة واجب فيها الألم، بمعنى أنني فعلت أفعالًا استحقيت عليها الألم حتى أدرك أن الحياة لا تسير هكذا، والآن بعد إدراكي لهذه القوانين أرى أن الألم ليس ضروريًا للسير في الحياة، أصبحت اشعر أنني اعمل ديناميكية الاشياء فلماذا اتألم إن كنت اعلم؟ لذا فإنني اشعر أن جزء من ثقافة الألم هذه أورثنا التواكل والاستسلام لفكرة أن الحياة هي هكذا ويجب أن تخوضها وستظل هكذا حتى تموت، وهذا المفهوم كفيل بجعلنا نستسلم لفكرة الألم تمامًا ونراه جزء من صراعات حياتنا ونستسلم لمظاهره سواء التنمر من أحدهم أو العنف أو الضغط! لماذا ستقاوم شيئًا هو من أبجديات الحياة! لماذا ستوقفه؟

هل ترون مثلي أن الألم مجرد مرحلة؟ أم أنه شئ ثابت؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أتعرفين حين أتخيل الحياة كلها سعادة، أشعر أنها مملة وبلا قيمة، ما الهدف من عيش حياة سنظل فيها سعادةxسعادة؟

لهذا من بين الأمور التي لن تتغير وستكون ثابتة هي الألم، لكن الذي يتغير هم نحن، فحين نتألم لأول مرة تكون صدمة وتكون صعبة للغاية، نحاول أن نتجاوزها بطريقة ما، وقد تطول المدة، المرة الثانية والثالثة لن يكون لها نفس الوقع..

وبالتالي الأمر شبيه بلعبة، في كل مرحلة تشعر أنك أصحبت أكثر صلابة..

الإشكال أن ليس الجميع يمر من مرحلة لأخرى، هناك من يعلق في مرحلة ما، وهناك من قد يفقد عقله دون القدرةن على المرور إلى ما بعدها..

تعلمين يا عفاف حينما قرأت تعليقك هذا جعلني اتساءل، لماذا خيل إلينا أنه حينما ترتفع نسية سعادتنا فإن هذا يعني الملل وأنه لا طعم للحياة... نحن لم نذق هكه النسبة من السعادة لنقرر إذا كانت بذلك القدر من الملل أم ماذا!

لماما تم تكريهنا في السعادة؟

اعتناقوحهة النظر التي تعتني بالألم كفلسفة أو كملازم أساسي للحياة أعتبرها تخاذلًا إنسانيُا بشكلٍ ما، لكنني لا أعني بوجهة نظري تلك أن الحياة يجب أن تخلو من الألم. المسألة كلها أننا يجب أن نكون من أنصار التغلّب على الأم كعقبة من عقبات الحياة، فالشعور بالأم شيء محتوم ومفروغٌ منه، لذا علينا أن نتسلح بالآليات اللازمة لمواجهته كعدوٍ لدودٍ لا يمكننا التخلص منه، لكن يمكننا التغلب عليه في كل مرة. أما بالنسبة لعملية التعايش مع الألم فأنا أرى أنها من ضرب الخيال، حيث أن كواجهة الأم ومحاولة تحطيه شيء، والإيمان بأنه مرحلة والتسليم له شيء مغاير تمامًا.

يعني افهم انك من أنصار التغلب على الأم بدلًا من ضيافته

هذا هو ما عنيته تمامًا. اكتساب الاستراتيجيات التي يستطيع الإنسان من خلالها مواجهة الألم وتخطيه واستعادة الترميم المناسب لحياته، بدلًا من اكتساب آليات دفاعية وعاطفية للتعايش مع الألم واستئناسه.

بالنسبة لي يا أسماء، فإني أرى أن الألم ضروري لتكوين الإنسان.

يمكنك مشاهدة فيديو "لماذا خلق الله البشر؟" لجفري لانج على اليوتيوب، حيث تحدث عن المعاناة من منظور ديني.

هناك مقولة لإبراهيم الفقي تقول حسب ما أتذكره:

لا يفهم المعنى إلا بعكس المعنى

لا قيمة للصحة دون وجود المرض، لا قيمة للسعادة دون وجود الحزن، لا قيمة للضوء لولا الظلام. . . و هكذا أرى أن الألم ضروري في تكوين الإنسان، ضروري جدا، لأنه منه تأتي التجربة.

قصة الأمير (أظنه بوذا) الذي حاول والده أن يجعله لا يرى الألم. فحبسه داخل أسوار القصر و أعطاه كل ما يريد، الطفل الأمير لم يكن يعرف معنى الألم، و لم يكن يرى إلى محيطه الصغير حيث السعادة، فلا ألم. لكنه عندما كبر، لم تعجبه هذه الحياة و قرر الخروج، و هنا كانت المفاجأة بالنسبة له. . . إلى آخر القصة

تخيلي العيش دون ألم، شيء ممل و لا معنى للحياة وقتها. هناك مقولة لا أتذكر قائلها تقول: "لو لم تكن لدي مشاكل لاخترعتها"، نفس الأمر ينطبق على الألم.

اتفق معك في كل كلامك عزيزتي، لكنني اتساءل هل الألم مرحلة ما أم يجب إن ينتهي عند مرحلة ما

بنظرة دينية، الدنيا ببها الألم، ستصاديفينه في كل مكان. لكن هناك الآخرة، بالنسبة لمن بالجنة فهناك لا ألم. إذا الألم مجرد مرحلة.

اخشى ان هذه ليست نظرة دينية يا فردوس، بل نظرة نظن انها دينية لكنها ليست كذلك، ماذا عن قول الله ولنحيبنه حياة طيبة؟ أو قوله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر

فهمت ماذا تقصدين.

أنا لا أقول أن الدنيا كلها ألم، و إنما أن الألم موجود بها، لا يمكننا إنكار ذلك، بالمقابل بعد الدنيا، لمن فازوا بالجنة فإن الألم غير موجود. فيظل -بالنسبة لهم- الألم مجرد مرحلة مروا بها لما كانوا بالدنيا.

في الحقيقة لم أفهم جيدا النقطة التي تحاولين مناقشتها, خصوصا عند حديثك عن التراث الثقافي العربي

يتمحور فعليًا حول كون الدنيا هينة وأن الألم ضروري

ولكن عموما من وجهة نظر بيولوجية محضة فإن الألم أهم للكائنات من السعادة للبقاء على قيد الحياة, وهناك جهاز عصبي متكامل بأجسادنا مختص بالخوف والقلق والحزن, أي أننا خلقنا هكذا! والحكمة تكمن في أن الحياة جد صعبة للبقاء على قيد الحياة وفي العادة لا يتعلم الكائن تجنب المخاطر والمنغصات إلا عن طريق الألم والخوف والقلق, فلو قدم لك شخص ما المساعدة عشرات المرات وأساء إليك بشكل بالغ مرة واحدة فقط, فإن المرة الواحدة ستكون كفيلة لك بتجنبه, لأن تجنب المخاطر أهم من جلب المصالح.

لو قدمت لأي كائن كان طعاما لذيذا يحبه سيتناوله بشكل يومي ولكن إذا وضعت له مادة سامة أشعرته بالألم والمعاناة من تناوله لمرة واحدة فإن دماغه سيلغي كل السعادة التي شعر بها سابقا وهو يتناوله, وسيتذكر الألم فقط كلما رآه وبالتالي لن يقربه مرة أخرى.

انا اتفق معك في تعليقك واشعر انه اضافة مهمة جدا للمقال، تساؤولي عن هكا الشعور بالألم مرحلة وتنتهي حينما تدرك كيف تتعامل مع مشاعرك أم يجب أن يكون محطة دائمة في حياتنا

طبعا الألم مجرد محطة عابرة لا يجب أن يأخذ حيزا أكبر من المهمة التي يبذلها, مهمة الألم ايجابية في الحياة قصد بناء وتراكم التجارب ولايجب أن يتحول لأداة هدم وكبح للإنسان في حياته.

على الفرد استحضار حقيقة أن الألم أداة تعلم في الحياة لكي لا يتوقف مطولا يفكر في أحداث الألم والماضي, بل التركيز على المستقبل وكيف يمكن الخروج من الأزمة وكيف يمكن تجنب مواقف مشابهة قد تواجهنا لاحقا.

سأقول لك ما تعلمته في قاعات تعلم كتابة السيناريو...

لن يحب أحد أن يشاهد فيلما، قصته تدور عن رجل طيب، يتزوج امرأة طيبة، ينجبون أطفالا طيبين. ويعيشون حياة طيبة! لابد من صراع. لابد من اختلال في الموازين حتى نبدأ بمتابعة القصة بشغف.

تخيلي حياتك بنفس الطريقة.. تخيلي أن تكون سلسلة لا تنتهي من السعادة والتوفيق والسداد.. كيف ستعرفين إذن أنك في نعمة من الله؟! كيف ستتذوقين لذة السعادة مالم تجربي الحزن؟

أتعامل مع حياتي دائما كسيناريو يا أسماء.. وأتمنى لنفسي دائما أحداث مشوقة بدلا من الرتابة.

يعني هل أنت تحبذ الحياة التي يعيش اصحابها معاناة ما باستمرار لا تنتهي وكانها دراما تركيه وكل شئ يتساقط حولهم... أنا لا انكر الألم لكنني أرى أن هناك لحظة ما ينتهي عندها و استمراره درب من دروب الخبل والسلبية

خير الأمور الوسط يا أسماء.

طبعا لا أحد يتمنى الشقاء والمعاناة. لكن التشويق مطلوب.. يعني أن يبذل الانسان جهدا.. يشعر ببعض التعب للوصول لهدفه. هذه المشاعر هي التي تخلق لذة الانتصار وفرحة المكسب ونشوة تحقيق الهدف.

حتى بيولوجيا ..زوال الألم هو عبارة عن امتلاء المشابك العصبية بالمواد المسكنة التي تبدأ بالاستهلاك والتفكك مباشرة بعد بلوغها الذروة لتبدا قصة معاناة جديدة