انبهار البدايات وتغيير المسار

يصف جلال أمين في مذكراته، شدة إنبهاره بالماركسية حين تعرَّف عليها لأول مرة. لدرجة أنه قسم مكتبته لقسمين= (كتب تحوي الحقيقة) وهي الكتب الماركسية، و(كتب ضالة) هي الكتب غير الماركسية. لكن ما إن أكثر الاطلاع على الماركسية، وعمّق معرفته بها، حتى اتضح له الكثير من العيوب القاتلة والتي لم تستبن له في بداياته.

وهذا يقودنا إلى فكرة ألا وهي: أن الإنسان في بداية انكشاف فكرة جديدة له قد ينبهر بها وهذا الانبهار ناتج عن جهله وعن عدم إحاطته بالمادة التي انبهر بها، ولو علم حقيقتها وزاد من معرفته حولها لاختلف رأيه تماما.

حينما تقدم الكثير من الأفكار للعامة، وهذا الأمرُ بات طاغيًا في زمن الانفتاح المعرفي، فتُعرَض المسائل الكبرى على أناسٍ ليس لديهم جَلَدٌ ولا قوة على تحمل البحث والتنقيب والاطلاع، فيكون الضياع. ضياع الفكر وضياع الدين. فتستلبُّ قشور الأفكار عقله ويعميه جهله عن معرفة الحق.

وفي هذا يقول أحد الفلاسفة الإنجليز: قليل من الفلسفة يؤدي بك إلى الإلحاد، وكثير منها يعيد للإيمان!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

وفي هذا يقول أحد الفلاسفة الإنجليز: قليل من الفلسفة يؤدي بك إلى الإلحاد، وكثير منها يعيد للإيمان!

فعلا، وتعجبني هذه العبارة، فقد كانت افتتاحية رواية خولة حمدي، أرني أنظر إليك..

فالدارس والمتعمق هو مؤمن للغاية..

والمشكلة أن ذلك الانبهار ليس فقط في الدراسة، أو في الكتابة جتى في العلاقات، معظمنا يفكر بانبهار تجاه شخص، وحين يعرفه جيدا يستغرب كيف كانت نظرته..

ففي النهاية العبرة من الخواتيم لا جمال البدايات

صحيح العبرة في الخواتيم٫ لكن ذلك الانبهار الذي نكتشف به الحقائق خصوصا في العلاقات٫فلو لم ننبهر لما حاولنا التعمق و بالتالي نخرج بنتيحة نهائية إما مخيبة او مفرحة.

ليس من الضروري يا وداد أن تقحمي نفسك في الانبهار، حاليا كل من أعرفه أصبحت أضع الشك والحذر كمعياريين لدي، إن كان الشخص جيدا، فذلك ما نريد، إن ساء حاله وظهرت أذيته فأنا سبق وأن وضعت حذري، لأنه ياعزيزتي على قدر الانبهار، نصدم حين نخيب، المثير للاهتمام، أنني منذ أن وضعت الشك في أي شخص، أجد أن شكوكي صحيحة تماما..

صحيح وجهة نظرك يا عفاف تدخل في الخبرة و من التجربة الطويلة تصبح لديك مخاوف في التعامل مع الاشخاص, أما الإنبهار يكون عادة عند التعامل مع الأشخاص الذي نعتبرهم أحسن منا او نأخذهم كقدوة و في الأخير نرى منهم ما لم نتوقعه.

نعم إنبهار البدايات إغراء عابر إنه مثل الإعجاب الذي يعتقد البعض أنه حب أو عشق وشتان بينهما!

من الطبيعي أن ننبهر في البداية لكن من غير الطبيعي أن يستمر الإنبهار مدة طويلة لأننا يجب أن ننتقل لإحدى المرحلتين إما التأكد المبني على حجج وبراهين ودراسات معمقة أو إلى مرحلة الإنكار والتراجع عن الخطأ

أما البقاء في داشرة الإنبهار والإعجاب الاولى ما هو إلا سبيل من ليس لديهم الفلسفة الكافية لتحديد هل هذا الشيئ هو حقا كما يبدوا لنا الآن؟ ولا أقصد هنا بالفلسفة الفلسفة اليونانية أو فلسفة معينة بل أقصد كل تفكير منطقي نقدي بناء بعيد عن السفسطة وعلوم الكلام من أجل الكلام..

عندما أرى فلاسفة كبارا كانا ملحدين ثم أسلموا ووصلوا لحقيقة وجود خالق وعظمته وصفاته الكاملة.. الخ أتعجب لأني في الجهة المقابلة أرى أشخاصا ليس لديهم من الفلسفة إلا القليل لكنهم واثقون من أنفسهم لدرجة عجيبة!! وهنا تعرف معنى الفرق بين المحقق والمُتعالم..

هذا كمثال فقط وتعليق على ما أوردته، وإلا فالأمثلة كثيرة..

مجهول أضف ردا

البدايات دائما يرافقها نوع من الانبهار والافتتان بالفكرة أو بالشيء، فنصنع عالم كبير من الوهم، ويُخيل لنا أن ما أُعجبنا به كامل ومثالي، لكن بعد التعمق والبحث تتلاشى الأغشية شيئا فشيئا وتبدأ الفكرة بالظهور على حقيقتها وبكل نقائصها وثغراتها.

ومحظوظ هو من وصل إلى مرحلة اسدال الغطاء واكتشاف الحقيقة، لأن الأمر يتطلب بحثا وفهما وهو ما لا يملكه الكثيرون والذي يبقون للأسف في عالمهم الواهم وسط خداع الصورة المثالية التي رسموها. و السيء في الامر أن هذا النوع بالذات هو من يتحول لمتعصب شرس للفكرة أو المبدأ يرفض ويهاجم ما سواها.

بالطبع أرى أن العديد من المسائل الفقهية والفكرية لا أفضل القراءة بها الا بعد التعمق بإعتقاداتي وفمهما فهماً صحيحاً وبعد التعمق بمجال جديد يجب أن أطرحه على العديد من الامور التي اعتقدها وما هو صحيح أيضاً ولكن اختلاف الاراء لا يفسد للود قضية.

لهذا لا يجب التعصب بأمر معين بل يجب علينا الالتزام والمعرفة بدون أخذها على عاتقنا بصورة كبيرة.

الانبهار بأي شيء جديد طبيعي جدًا جدًا جدًا، لأن هذا الانبهار يعني أنك في طور المتلقي فكريًا، أي أنك شخص يتلقى الأفكار ويختار منها ما يناسبه، مع الوقت والعرفة تصبح ناقد جيد لما تقرأه، لم تعد تتلقى فقط بل أصبحت تتفاعل مع الأفكار بشكل كافي لترفضها أو تتقبلها