محراب القدور.. وترانيم العطاء
خلف الأبواب الموصدة، وفي تلك المساحات الضيقة التي تفوح منها رائحة الطبخ،و الهيل والزعفران، ثمة معركة صامتة تُخاض كل يوم.
تظنُّ الكثيرات أن "العبادة" قد انحصرت في زوايا المساجد وبين دفتي المصاحف، فيشعرن بغصةٍ حين يسرقهنَّ الوقتُ من سجادة الصلاة إلى "محراب المطبخ".
لكن الحقيقة أنَّ حفيف الثياب في المطبخ، وصوت غليان القدور، وصبر الأمّهات والزوجات على وهج النار ونصب الصيام؛ هو تسبيحٌ من نوعٍ آخر. إنه "جهادُ الحب" الذي لا يراه إلا الله. فكل لقمةٍ نتلذذ بها عند الغروب، خلفها "جنديٌ خفي" بذل من روحه قبل جهده ليرسم بسمة الرضا على وجوهنا.
هذه فلسفة العطاء الصامت
إذ تتخلص عبادة آخرى جليلة إلى جانب الصلاة والصيام وترتيل القرءان، هي "جبر الخواطر" وإطعام الطعام بقلبٍ محب. تلك الوقفة الطويلة هي في ميزان الله صدقة، وفي سجل الحسنات رفعة. إنهنَّ حين يطبخنَ ينسجنَ بروح الصبر سكينةً تملأ بيوتنا، ويحولنَ التعب إلى "بركة" نلمسها في كل ركن.
لذلك
مكافأة هذا العطاء لا يُؤجّل للآخرة فحسب،هذا ثوابها وأجرها عند الله..
أنا وأنت وهو نبدأ من هنا، من نظرة تقدير تُرمم التعب، ومن "دعوةٍ صادقة" تخرج من القلب، ومن كلمة "سلمت يداكِ" التي تجعل كل العناء يتبخر في لحظة، من اعتراف واهتمام بحجم وجودهن العظيم الجميل.
إلى صانعات السكينة والحب والأمان،
إلى كل أمٍ وزوجةٍ وأختٍ وإبنة.. يا من تجعلن لرمضان، طعماً أجمل بروحكن قبل طعامكن: تقبل الله منكن هذا البذل المبارك، وجعل كل تنهيدة تعب في موازين "جهادكن" العظيم. فأنتُن الروح التي تُبقي بيوتنا عامرة بالدفء، وأنتُن النور الذي نرى به جمال هذا الشهر الكريم،وباقي الشهور وكل الأعوام.