يقول إميل سيوران : "الوعي لعنة مزمنة وكارثة مهولة، إنه الإقصاء الحقيقي، فالجهل وطن والوعي منفى".
لذا متى برأيك يكون الوعي لعنه برأيك؟
على افتراض أنّ سيروان وصل من الوعي الكافي لما يجعله يعيش المنفى ويبرر كل تلك الكئابة التي نشرها في العالم، أحب كل المثقفين والمفكّرين ولكنّي أكره فيهم أحياناً هذه التصريحات وهذه الآلام الزائدة عن الحدّ، كشوبنهاور مثلاً وسيروان، كل شيء يريدونه أن يصل أخيراً إلى ما يريدون الوصول إليه، بالعموم لتفصيل القضية أكثر بأنّهُ لا وعي مضرّ نهائياً إلّا إذا أصبح معطّلاً عن العمل، كالاكتئاب تماماً، لا يثير اهتمام أي طبيب إلا إذا كان معطّلاً للشخص عن الحياة، كيف يكون الوعي مُعطّلاً وبالتالي يتحول إلى لعنة؟
بالكثير من الحالات منها مثلاً، النقد الذاتي والسعي نحو الكمال، أسوء ما يمكن أن يتبنّاه الإنسان رغم جمال العبارة، عندما ندرك عيوبنا قد يكون من السهل أن ننتقد أنفسنا بشكل مفرط وهذا يمكن أن يؤدي إلى مشاعر عدم الكفاءة وتدني احترام الذات، أي أن نكون أقل بكثير بعيون أنفسنا، هذه ضريبة وعي يجب أن لا ندفعها، وأيضاً الوعي يورث القلق، لكن لماذا؟
لإنّهُ عندما ندرك جميع النتائج السلبية المحتملة التي يمكن أن تحدث في حياتنا قد يكون من الصعب الاسترخاء والاستمتاع باللحظة الحالية وهذا يمكن أن يؤدي إلى مشاعر القلق ولذلك أحب جيم رون المُتحدّث الأمريكي حين يقول: أينما كنت كن هناك - يا الله ما أحلى هذه العبارة، لإننا غالباً حين نكون بأي مكان نكون بوعينا الزائد نعدّ للمكان التالي، وهذا متعب جداً.
وأخيراً العزلة والشعور بالوحدة، الشعور الأكثر رواجاً تقريباً بين من يصل لمرحلة الوعي والنضج الحقيقي. كل ما سبق يجب أن نتجنّبه، إذا اجتمع كل ما سبق سوف تؤذى حياتنا بشكل مرير، هنا بالضبط تتحوّل إلى لعنة. ولكن برأيي قلّة من يصل إلى هذا الحدّ.
بالطبع يكون الوعي لعنة حينما لا يملك وعيًا أول يعود إليه فيؤدي هذا إلى ضياع الإنسان في هوة اللاغاية مما يؤدي به إلى عدم فهم مغزى وجوده، ولماذا عليه أن يتحمل كل هذه الآلام التي يحيها.
دعني أشرح لك ما أقصده، في علم المنطق يوجد شئ اسمه التسلسل اللانهائي يفضي إلى عدم الوجود أصلًا، فمثلًا إذا قلنا لجندي أن يطلق رصاصة بشرط ألا يطلقها إلا بعد أن يأخذ الأمر من قائده، وقلنا لقائده ألا يصدر الأمر إلا بعد أن يأخذ الأمر من قائده، وهكذا إلى ما لا بداية من القادة فستكون النتيجة أن الرصاصة لن يتم إطلاقها أصلًا لأن عندنا عدد كبير من العساكر.
نفس الأمر بالنسبة للمعرفة والوعي، إن قلنا أن المعلومات التي نملكها الآن مرتكزة في حقيقتها على معلومات قبلها، والمعلومات التي قبلها مرتكزة على معلومات قبلها، وهكذا إلى ما لابداية من المعلومات فهذا معناه أن المعلومات التي نمتلكها الآن ليست موجودة، أو ليست حقيقية، أو على الأقل ليس لها قيمة.
وهنا يكون الوعي لعنة، وهذا ما وقع فيه كلًا من سيوران ونيتشه وشوبنهاور وكامو، فهم في فترتهم كان هناك اعتقاد سائد بأن الكون أزلي لابداية له، فإن كان كذلك، ومصيرنا إلى التراب فما قيمة كل شئ بالحياة؟ لا شئ، إنه صفر، وهذا ما أوقعهم في لعنة الوعي.
طيب كيف نحل هذا الإشكال؟
الأمر بسيط، وهو الاعتراف بوجود وعي أول لا يحتاج في وجوده إلى وعي آخر، وهذا الوعي الأول الذي ليس قبله وعي هو الله، فمنه تنطلق المعارف والعلوم، وتنضبط النفس البشرية فلا تقع في لعنة الوعي.
التعليقات