تفحص أحوال الناس لترتاح

   إذا ضاقت عليك الأحوال واشتدت الأمور في عقلك ولم تعد تملك المزيد من القوة وأقنعت نفسك بالتعب والإرهاق ولم تدرك في فترة معينة هل أنت بخير أو في أسوء حال؟ هنا أدعوك كي ترتدي ثيابك لتذهب معي في جولة صغيرة بعدها ستشعر بأنك سيد زمانك وستتحسن أحوالك.

سوف أذهب بك إلى المستشفى لن تقوم بأي فحص لأنك في صحة جيدة لكن تجول في أروقته و تنقل من قسم لآخر و من مصلحة إلى أخرى ستجد من أصبح المستشفى مسكنه فهو قاطن فيه منذ عامين أو أكثر، تجد من قطع آلاف الأميال للوصول إليه لأنه من منطقة نائية، تجد من يحتاج شخصاً كريماً يتبرع له بقطرة دم ولم يفقد الأمل في ذلك، ستجد من ينتظر الدور للدخول لقاعة العمليات لإجراء عملية ربما تعيده إلى الحياة و ربما العكس، ستجد أشخاصاً لا حول لهم و لا قوة يتنقلون بين أقسامه فيهم من يبحث عن أمه مريضة و آخر عن أخيه وقع له حادث سيارة و الآخر عن زوجته حامل وآخر يحمل ابنته احترقت بالماء الساخن و يجري نحو الاستعجالات بينما تتفحص أحوال الناس في مخيلتك الآن فقط و تقارن نفسك بما تعيشه و ما يعيشونه، قل لي كيف هي أحوالك؟ 

إن فكرة المستشفى هذه وزيارته كلما ضاقت أحوالي تفطنت لها عندما دخلته كمريض، كنت أمسك ثياب أمي في ذلك اليوم وأصرخ بشدة وأنادي بأعلى صوتي هيا ألم يحن دوري؟ وقد احتجت في تلك الأثناء إلى عملية جراحية لنزع الزائدة الدودية ومرت ساعة وأنا على تلك الحال، لكنني بعد فترة خيّمَ عليَ الهدوء والصمت وهذا ما جعل أمي تتفطن لذلك فسألتني هل أنت بخير؟ فقلت لها: نعم يا أمي، فقالت: إذن توقف الألم؟ فقلت: لا، فقالت: ما بك إذن؟ فقلت أنظري لذلك الشاب إن يده اليمنى مقطوعة وكان قد فقدها جراء حادث مرور، إن ذلك المنظر جعلني أتوقف عن الأنين لهول ما رأيت وعندما أجريت العملية بنجاح وعدت إلى المنزل بعد فترة قررت أن أزور المستشفى كلما ضاقت أحوالي كي أعرف أن هناك من هو أسوء مني.

إذا تفحصت أحوال الناس سترتاح كثيراً و ستطرد الهم من قلبك على الفور لأنك ستجد نفسك أفضل من الكثيرين، قم بركوب الحافلة عدة مرات و تمعن عند صعودك في الركاب و ستجد لكل شخصٍ منهم حكاية، ستجد من يتكلم بصوتٍ خافت مع السائق و يقول أنه لا يملك ثمن التذكرة، ستجد من ثيابه متسخة و يتحاشى الاقتراب من الركاب لأنه كان يعمل، ستجد تلك العجوز التي تحمل بين يديها حقيبة ثقيلة تجرها من مكان إلى مكان أردت أن أساعدها مرة في حملها فلم تقبل ذلك فقررت أن ألحقها فوجدتها عندما تنزل من الحافلة تتجه عند بائع العجائن و التوابل و تبيعه ما صنعته بيديها ففهمت سبب رفضها مساعدتي، ستجد ذلك الأعمى في الزاوية كان يكلم من بجانبه و يقول له: في وقت مضى أبصرت هذه الدنيا أما الآن فيقاطعه من بجانبه قائلاً: فأنت أعمى و غيرها من الأحداث التي تجري كلها في الحافلة، من الحافلة فقط عرفت كيف أجعل نفسي مرتاحاً لأنني كنت أتأمل في الركاب و حكاياتهم كنت أتأمل الأسى الذي يظهر على وجوههم و ما يخفونه في صدورهم، صعدت مرة إلى الحافلة للعودة إلى حيي وجدت الكراسي فيها شاغرة على العموم فجلست مقابل سيدة في الأربعين من العمر وفي المحطة التالية صعدت فتاة جلست بقرب تلك السيدة و سرعان ما أخذتا يتبادلان أطراف الحديث و كنت أستمع لكلامهما ثم أخرجت تلك السيدة كعكاً منزلياً و ناولت القليل للفتاة و القليل لي وأكملت حديثها مع الفتاة و بعد أن تذوقت الفتاة كعك السيدة قالت لها : إنه لذيذ جداً فقالت لها السيدة: نعم و مكوناته بسيطة و ما قالته السيدة حقيقة لأنني أعرف ذلك النوع من الكعك فأمي تحضره لنا باستمرار مع وجبة الإفطار ثم قالت السيدة للفتاة: ألا تعرفين طريقة تحضيره إنها سهلة؟ فقالت الفتاة: لا، أنا لا أعرف فقالت السيدة: لماذا لم تعلمك أمك مثل هذه الأمور فأنت في سن الزواج على ما يبدو فقالت الفتاة: يا خالة لقد توفيت أمي و أنا صغيرة و لا أتذكر حتى ملامحها و سبقت الدموع كلماتها و انفجرت بالبكاء فارتبكت السيدة و أخذت تمسح دموعها و تعتذر منها.

هذه القصة وقعت أمام عيني وأنا أستقل الحافلة، أنا أملك أماً وأعرفها وأعلم ما معنى الحنان إنه لشيء عظيم بالنسبة لي حتى وإن كنت في ضغوط ولدي مشاكل لكنني مرتاح الآن، ما رأيك أنت؟ نحن نملك أموراً عديدة لا يمتلكها البعض لكننا نتجاهلها لأنها صارت جزءاً منا لكنها في الحقيقة مهمة، نعم الكثير من الناس يحلمون بتجريبها فقط وليس العيش فيها، إذا شعرت بذلك الضعف أو الضيق أخرج فوراً من عالمك المظلم وحاول أن تدرب عقلك على الراحة بمثل هذه الأمور فتستطيع مثلاً أن تخرج للتجول وسط المدينة ليس لتغيير الجو فقط بل للتمعن في أحوال الناس حتماً ستجد من هو أسوأ من حالك وحينها سترتاح واجعل من هذه الطريقة دواء تأخذه كمسكن لكل تلك التوترات التي تسيطر على عقلك.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Nour_kamal أضف ردا

في هذا الجو البارد، الجميع ينعم بالدفء، وهناك عائلات تشتت شملها.

اليوم كنت في المستشفى، اطلعت على أحوال الناس، وشكرت الله لأنني بخير.

أحوال لا تسر، وأوضاع الناس لا تبشر بخير.

اللهم اشف كل مريض، وأعده لمنزله بخير وعافية.

آمين يارب

يختصر كل هذا مقولة جميلة دائماً ما يرددها أشقائنا السودانيون،

فعندما تسأل أحدهم عن حاله، فيكون الرد الجميل "في زحام من النعم والحمد لله"

ونتذكر قول الله تعالي (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)

هنا معنى بلاغي جميل في قول الله تعالى، حيث أن العد يكون مع الجمع وليس مع المفرد،

ومعنى هذا أن نعمة واحدة من نعم الله علي العباد، فوائدها لا تعد ولا تحصى.

نعم المقولة قالها الأشقاء أخي

إن كنت تقصد أولئك الجاحدين دوما الباكين لكل شئ فأتفق معك..

أما إن كان قصدك هو عدم تذمر و شكوى الآخرين بشكل مطلق فأختلف معك، فلا يشعر بالألم غير صاحبه؛ مهما كان ذاك الألم بسيطا، وأضرب بذلك مثالا حيا دائما؛ فعندكما كنا أطفالا كانت مشكلتنا الكبرى هو الواجبات المدرسية ونشرات الأخبار المباشرة التي تحجب إذاعة برنامج الكرتون المفضل لنا ولما كبرنا شعرنا بتفاهة ذلك ولكل مرحلة مشاكلها واهتماماتها ولذلك كل فرد ظروفه ومشاكله التي تختلف عن غيره وما يعانيه...

أقصد اقتراحك الأول بكل تأكيد شكرا على التعليق

حقا خصوصا في فصل الشتاء عندما نتجول في الشارع ليلا سندرك القيمة التي ننعم فيها في دفئ و مأكل ساخن، ننعم بسقف ونعيم العطاء، لكن هناك أشخاص حقا يحلمون بما شطر قليل مما نملكه، لذلك دائما لابد أن نردد كلمة الحمد لله على نعم الله الكثيرة.

الحمد لله دائما و أبدا

لكن لايجب علينا ترك الأمور كما هي فقط بحجة أنه هناك ناس تعيش ظروف اسوأ منا، اذا كانت لديك مشكلة حاول حلها اذا كنت تعاني من أزمة مادية حاول تدارك الأزمة ليس فقط النظر لمن هم أسوأ حال منك، هذه الطريقة تنجح مع الناس الغير راضية بظروفها لكن اظن ان البحث عن حل لهذه الظروف الصعبة أحسن.

لم أقصد من تفحص أحوال الناس أن تظل كما أنت،بل قصدت الراحة النفسية فقط لتدرك أن كل العالم يعاني من جانب معين وليس أنت فقط مثلا،أما من الجانب الذي تسعى فيه للتغيير والتحسين فالأمر راجع لك حتما بعد التوكل على الله..

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

نطلب من الله أن يعيننا ويعين كل إنسان في هذه الدنيا أسامة

صحيح كان السلف الصالح دوما ينظرون إلى من هو أدنى ليستشعروا نعم الله التي لا تحصى.

بالفعل كلامك صواب الأخت لينا

نعم حقاً لطالما كانت هذه المواساة ناجحة بل إن لها مفعول (التأديب ) نوعاً ما فحين تقارن بين تذمرك بما حل بك ورضاهم بما حل بهم ستشعر بوخزة تأديبية ..

بل إنك تستطيع التمعن في أحوالك قبل خمس أو عشر سنوات وبين حالك الآن وحينها سترتاح لكمية الأزمات التي نجوت منها والنعم التي لاتزال بحوزتك الى اليوم.

حقيقة والله شكرا

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

شكرا على التعليق الجميل وسأتبع نصائحك في آخر الكلام شكرا

فعلا من يرى مصائب الناس تهون عليه مصائبه .

اللهم اشفي كل مريضى...

هل لي بأن انطرح عليك سؤالا في اكثر موقف اثر بك في المستشفى من اخر زيارة لك

بالفعل اللهم اشفي كل مريض يارب

لقد كانت لي تجربة عدة رحلات للمستشفى،حيث أجريت عمليتين من قبل بالإضافة إلى تدهورات الصحة من حين لآخر والحمد لله،لكنني أذكر جيدا عندما كنت نزيلا في أحد مستشفيات البلد،كان هناك مريض يتجول بين الأقسام ويطمئن على المرضى جميعا،والغريب أن كل المرضى و الممرضين وأغلب الأطباء يعرفونه،كان يتجول بقميصه الأبيض ووزنه لا يتجاوز الأربعين كيلوغرام،رغم أنه في عمر الأربعين أو أكثر بقليل،وكانت خلفه زوجته تتبعه أينما ذهب تحمل عنه كيسا كبيرا لا يظهر ما فيه فهي تغلفه بورق الجريدة،رأيته عدة مرات حتى أنه سألني عن صحتي ذات مرة،مما أثار فضولي فسألت عنه شيخا بجانبي وليتني لم أسأل!

ذلك الرجل مريض بالسرطان،وهو في المستشفى منذ ثلاث سنوات وزوجته بقربه دائما تدهورت حالته الصحية كثيرا،قاموا باستئصال أجزاء من أمعائه،وقاموا بإحداث ثقب أسفل ظهره وتركيب له أنبوب يقضي فيه حاجته(فضلات الجسم) وهذا ما يفسر الكيس الكبير الذي تحمله زوجته و تغطيه كي لا يظهر محتواه.

والمدهش أنه كثير التبسم و قوي الايمان هو وزوجته وكأنه مريض بالزكام،لا يظهر عليه لا التذمر ولا الألم ولا أي شيء يوحي بتعبه،بالفعل هو إنسان رائع،أتمنى أن يكون اليوم في أحسن حال.