وسط الجموع المائعة شعرت الفتاة برغبة شديدة بشرب الماء لكن نظرا لإصابتها بالرهاب الإجتماعي ترددت، بسبب كل الحشود المتواجدة هنا والتي تنتظر قيام أحدٍ ما بحركةٍ ما ترددت.. هذا المكان يعج بالناس لكنه ساكن، الكل غرباء والكل محبوس في هذه الغرفة.. لا أحد ينطق ولا أحد يحدّق في الآخر خشية الشجار.. كانت الأعين كلها تحدّق في السقف، وهناك رؤوس تحدّق في أفخاذها، كان الجميع ينتظر أن يقوم أحدهم بجلبة أو أي شيء يجعلهم يغيرون وضعية جلوسهم والتحديق في شيء آخر عدا السقف، (أي شيء يعطيك ضمان البقاء على قيد الحياة ان نظرت لصانع الحدث) كانوا ينتظرون ذلك بلهفة وشغف لكن! أحداً ما منهم.. لم يقم بذلك. فكان اليأس والبكاء المحتقن أكثر الأمراض المنتشرة هنا..

رغبة الشرب لدى الفتاة قاتلة.. تحدّق في السقف وتتساءل لماذا لم يهتز هذا السقف أو يرتبك بالرغم أنّ الجميع يحدّق فيه؟ لأنه جماد لا يملك مشاعر ولا يعير الناس اهتماما، "لأنه ببساطة، ينظر للحشرات من فوق" تستجمع قوتها.. تقوم وتردد (أنا جماد ولا أعير الناس اهتماما، أنا جماد ولا أعير الناس اهتماما، أنا جماد.. ) يشتد العطش، تجف السوائل من جسدها و يقل منسوب الدماء المتدفق فتترصب الشوائب وكل ما له ثقل في دمائها ليعبر الدم الخفيف فقط، بقي الخوف والرهاب الإجتماعي والذكريات السيئة من ضمن الأشياء العالقة أيضا، فبسبب ثقله في نفسها لم يستطع المرور فاختفت سطوته وانقطع تأثيره على عقلها. اضافةً للخدر الذي تسببه لها العطش، كان مفعول تلك الكلمات التي ترددها كمفعول أحادي الكربون عندما تستنشقه الرئتين.

انحدار عنيف لكثافة الألوان التي تستقبلها عينيها بسبب الإعياء.. تتمايل يمينا ويسارا، لم تعد ترى شيئا.. هي فقط والقارورة الآن، القارورة التي تبعد عنها بضع خطوات، جدران ضبابية تحجب كل شيء سوى وميض النور القادم من القارورة لعينيها، خطوتين وتصل..

خطوة واحدة.

وهاهي ذي..

بعد كل العناء الذي تكبدّته، بعد كل التفكير المضني والتردد، الحرب النفسية التي خاضتها والعذاب، هاهي ذي أخيرا تمسكها بيديها، تحني رأسها للخلف، تُخدّر عينيها وتبدأ بصناعة حلقة وصل بينها وبين القارورة.

لحظات..

تستفيق من غيبوبتها.. (صوت قرع طبول قبيلة الزولو)

عاد البريق لعينيها (دب دب "صوت خفقان القلب") اتسعت عدساتها (هيلاّلا هيلالاّ هولاّ هولاّ هولاّلاّ.. هولـ...لا لا) وبدأ مجرى النهر يجري (موسيقى شقيف في الخلفية احتفاءا بهذا الأكشن) اختفى الضباب، تعود الألوان، والدماء بدأت بالزحف، والأهم من كل هذا.. ظهر الناس. (دق جرس المعبد الصيني تيووووووو)

ظهر الناس..

هذا يعني..

الخوف منهم سوف يدب في أركانها بعد قليل..

ظهر الناس كما ظهر راندو فجأة أمام كساندرا وعشيقها (الذي لا أتذكر اسمه جيدا ويلعب دور الوسيم فارتعب لما رأى خنجر راندو يتشقلب في الهواء باتجاهه) بذات الخوف، استقبلت الفتاة التي سنطلق عليها اسم "ميمبي نيغري" المنظر الذي أمامها، ميمبي نيغري تعاني.. ميمبي نيغري تستضيف كل الأمراض النفسية في العالم مجانا. يعلو صدرها ويهبط، ترتبك، تتساءل كيف ستعود لمكانها، كيف ستتصرّف مع هذا الموقف؟ مهلاً!! أين أنا؟؟

أنتِ في ورطة. يرد عليها الكاتب.

تتسارع أنفاسها ولا تصدق أبدا أنها موجودة في هكذا موقف فجأةً. يرتفع صدرها و يهبط كما قلنا، يرتفع ضغطها ولا يهبط.. قطرات الدموع تتهيأ للقفز الحر من دون مظلة، هناك من تسربت بالفعل للخارج وهذا ما يفسّر بريق عينيها، مستوى السوائل في جسدها قد بدأ في استعادة وضعه، هو والذكريات، عاد وهو في السير حاملا معه كل الأشياء العالقة في القعر وحاملا معه.. احزر ماذا.. جرعة الرهاب الإجتماعي. تتدفق السوائل بقوة لمركز القيادة كما تتدافع الأمواج العاتية (التي أطلقها المحيط الهائج لـ-دين جد- السفينة) اشتياق عنيف للمقاعد القديمة ورغبة جامحة في المعانقة، كل عنصر سارع لمقعده، ويدوّي صوت ارتطام الخوف على عرشه القديم.. التردد، الإحساس بالضعف.. ووو.. الخ من الأشياء التي تدمر الخلايا وتحطم الحمض النووي.. الكل هنا، ينتظرون الأوامر و.. هجوم..

البرق يومض ومضتين و صوت الرعد يمزق السماء..

هجوم..

يشتدّ المنجنيق..

هجوم..

انصعقت الفتاة..

تجمدت..

وانقطع عنها الأكسجين..

سكون تام و لحظات متلاحقة من اللّاشيء.

(كالعجوز عيناها شاخصتان) غادرت القارورة أصابعها المشلولة دون أن تدرك، و ارتطمت على الأرض، فصنع دويها تشوها في ذرات الهواء.. صنع دويها، الجلبة التي كان ينتظرها الجميع.. بشغف.

حدث جديد يفرض نفسه في ذلك الصمت والهدوء المميت، تفكك الحدث وانتشرت موجاته في كل أنحاء الغرفة فالتقطته الآذان المتلهفة التي رصدت مكان الحادثة في ضرف لن تصدّق من الزمن. استدار الجميع نحو مصدر الصوت وبالتصوير البطيء نرى الفتاة تشهق. تموت.. لحظة تأمل و [PAUSE] للمشهد، نقوم بتصوير الفتاة من كل الزوايا.

المسكينة تبكي(تشلك).. تلتف حول نفسها(تشلك).. تحاول ابعاد الأنظار التي تخترقها(تشلك).. دون جدوى.. تدعو الله، ميمبي نيغري.. انها النهاية، بدأ حدث ارتطام قارورة "الموت_حياة" بالأرض يفرض نفسه.. ينسج خيوط الحياة في الغرفة و يمزّق كل ما تبقى من حياة من ميمبي، يبث فيها الموت، وياليتها ماتت. الهواء بدأ ينفض الغبار والأتربة من صدور الجميع سوى من صدرها، تنفّس الجميع الصعداء اذن، وتنفست هي ألسنة الّلهب وشكروها -الفتاة البطلة- (صانعة الحدث التي أسقطت القارورة فاغتنم الجميع الأمر لينظروا و يتأملوا المنظر كالأبرياء وتشغيل العظلات التي كساها الغبار و غزاها الصدأ خصوصا الرقبة -أي أنهم ما كانوا ليحدقوا فيها بدون سبب- انهم يحدقون للقارورة التي تتدحرج على الأرض هذا كل ما في الأمر، وبعد لحظات سيرفعون بصرهم بالتأكيد لصانع الحدث مع ابتسامة مزيفة طبعا، وبعد قليل لا نعرف فيما سيتسببون أيضا.. والفتاة تكره البشر وتكره التصنع وعدد كبير من الأشياء الأخرى) شكروها في سرهم ولعنتهم هي في سرّها -اصبري ستموتين قريبا- تحالف الجميع ضدها، حتّى جسدها خانها.. فعندما سألت قدميها الثبات ارتجفت، وعندما سألت رئتيها الهواء أقفل عنها كل المنافذ، فبدأ جبينها يزرقُ والدماء التي كانت في أخمص قدميها والدماء التي كانت في أصابعها.. كل جزيئات الدماء التي في جسدها اتحدّت واتفّقت جميعها للصّعود لوجهها كي يراها الجميع كم هي محرجة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

بدأ اللوّن الأحمر يلتهب، وهو في الصعود وهو يغني وهو سعيد.. سيقوم بواجبه الأزلي لا أكثر.. يتسائل الكاتب لماذا هذا اللون الأحمر يصعد ليراه الناس ألا يعاني هو بدوره من الرهاب الاجتماعي؟ الجواب لا، طالما أنّه منذ قديم الزمان يعد رمزا للتضحية فالجواب هو لا. وصل لجبينها.. لا أيضاً.. جبينها قلنا أزرق بفعل الاختناق هل نسيتم؟ رغم ذلك وصل لقد وصل وبدون أي تشويق التقى المتضادان اللذّان يجب ألّا يتلاقا أبدا فتدوّى المكان مرة ثانية وانفجار عظيم أضاع كل شيء في ظلام دامس وسكون تام لمدة من الزمن قدّرها شخصٌ ما (على الأغلب هو زيتسو من أنمي ناروتو كعادته) بعشر دقائق.

خذ لك اذن استراحة عشر دقائق أيها الوسيم ثم عد.

.

.

.

.

.

.

.

أو لا تعد.

كان الأشخاص الذين يقرؤون هذا المقال والذين هم أنتم، لازالوا يتأملون اللّون الأسود الذي تسببه الإنفجار كالدمى المنومة مغناطيسيا الى أن مرّ خيط أبيض خاطف بسرعة البرق ومزّق اللّون الأسود لنصفين، فبانت خزانة وساعة حائط على الجدار، و تساقط الصمت.

ترتفع الأيدي ناحية الوجه، تحدّق فيهما العينين.. و تبدأ الشفتين بالإلتصاق والإنفصال عن بعض في حركة متناغمة فقط ليتكون ذلك الصوت الذي أصدرته ميمبي "أنا لم أمت" قالت مستغربة! تقضم أصابعها وترفع بصرها للسماء وتبدأ في استعادة شريط الأحداث.. ماالذي حدث معي؟ -تحاول أن تركز أكثر- هل هو كابوس؟؟ تنظر للأعلى وتحمد الله، كان محض كابوس.. ياي كان محض كابوس آتشي واي واي -تغني المسكينة-

ترخي رأسها للخلف وتسنده للحائط وهي تتأمل السقف وتحاول قدر المستطاع أن تتلذذ بفكرة أنّ كل هذا كان محض خيال، ياااه إنّ الأمر صعب اذن.. سلمى أنا آسفة لكل خطأ ارتكبته بحقك أنا آسفة أني لم أفهمك ولم أحاول أنا أساعدك ولم أقف يوما لجانبك، صحيح أني كنت صديقتك وقدمت لك يد المساعدة في الكثير من المناسبات لكن الآن أدركت أني لم أُقدّم لكِ شيئا يُذكر، ان لم أكن بجانبك، ان لم أكلّف نفسي عناء البحث معك يداً بيد لنجد حلا لمشكلتك فأنا لا أستحق لقب صديقة، أتساءل أين كنت طيلة هذا الوقت، ماذا كنت أعتقد.. لا أدري.. في أي زقاق كنت ألهو، عندما كنت أتناول علبة التونة متسترة.. صديقتي"سلمى.التاء المربوطة" كنت تائهة و غائبة عن الوعي على أي حال، ذلك اليوم الذي ضربتك فيه بسلسلة لقدميك فتعثرتي وسقطتي كنت تعاطيت ذلك اليوم.. أرجو أن تتفهميني، من يجدر بهم حقاً أن يخجلوا من أنفسهم هم نحن. وفي النهاية أعتقد أنّ أمنيتك تحققت "أن يأتي اليوم الذي يشعر فيه الآخرين بنفس شعورك". أنا آسفة.