ندبة الصمت

______

خرج ظافر من المكتب بخطوات متسرعة، عينه تبحث، ونبضه يزداد توترًا.

لم تكن أميراس في مكانها.

تلفّت حوله، نادى باسمها همسًا مرتجفًا، صعد إلى "السندرة" وفتح الباب ببطء، لكن…

الفراغ وحده استقبله.

أنفاسه تسارعت، بحث في الزوايا، فتح النوافذ الصغيرة، لا أثر.

هبط الدرج بخطوات خفيفة، فتح باب غرفتها، لكنها خالية تمامًا… السرير غير ممسوس، والهواء فيها جامدٌ كأن أحدًا لم يمر من هنا منذ زمن.

تجمّد في مكانه، ثم سمع صوت خطوات أبيه في الطابق السفلي، فأسرع إلى غرفته وأغلق الباب، محاولًا كتم ارتباكه.

---

[صباح اليوم التالي]

أشعة الشمس انسدلت بخجل على وجهه. جلس ظافر على الأرض، وقد فرش أمامه الأوراق التي أخذها الليلة الماضية.

ملفّاتٌ، عقود، وصور…

صفقات مشبوهة، وخط والدته الذي لا يُنسى.

بدأ يخطّ خطة.

خطة لكشف أبيه…

خطة ليأخذ بثأر والدته، وجده، وطفولته المسروقة.

كان يطوي آخر ورقة حين فُتح الباب.

كانت أميراس.

وقفت في مواجهته… وجهها شاحب، عيناها محمرّتان ومتورّمتان، وكتفها يبدو كأنه يحمل ألماً مخفيًا رغم ما غطّته كنزتها.

وقف فجأة، اقترب منها، ثم شدّها من يدها بحذر، يتلفّت يمينًا ويسارًا، وجرّها إلى غرفته وأغلق الباب خلفه.

قال متوترًا:

- "أين كنتِ؟! ظللت أبحث عنكِ طوال الليل… ظننتكِ في السندرة، أو حتى في غرفتك، لكنكِ اختفيتِ تمامًا!"

لم تجبه… فقط نظرت إليه، والدموع تتدحرج بصمت.

أكمل، وفي عينيه فرحٌ ممتزج بالقلق:

- "لقد وجدتُ ما يُدين أبي… ما يثبت أنه قتل أمي وجدي. لم يتبقَّ إلا خطوة واحدة… وسنعيش بسلام… كما حلمنا."

اقترب منها، فوضع يده على كتفها… لكنها ارتجفت، شهقت… تألمت.

نظر إلى موضع الألم، فرفع طرف كنزتها برفق، فظهر جرح عميق، كأن سوطًا قد نزل عليه بقسوة.

قال فزعًا:

- "من فعل بكِ هذا؟! هذا الجرح… يحتاج خياطة!"

شهقت، وبكت بحرقة…

رأى فيها الطفلة التي عذّبتها الحياة، لا الفتاة التي خدعته بعينيها.

أمسك يدها، وسحبها مسرعًا نحو الباب:

- "سأعالجك… هيا."

لكنه حين مرّ بالردهة، كانت بعض النساء من الخدم قد رأوه.

صرخت إحداهن:

- "هذا هو! هو من ضربها! انظروا إلى يدها بيده، والدم على كتفها!"

أوقفه الذهول، فصرخ:

- "لا! لم أفعل شيئًا! أنا…"

وقبل أن يُكمل، كان أبوه قد نزل من الدرج.

وقف كظلّ ثقيل، ينظر إلى ابنه شزرًا.

قال بصوتٍ خبيث، يقطر تملّقًا:

- "سأوصّلها أنا… هي بمثابة ابنتي."

ثم اقترب منها، ووضع يده على شعرها برقةٍ مريبة.

هنا… تحوّل ظافر لذئب جامح.

أمسك بيد أبيه وأبعدها عنها بعنف، وقال بحدة:

- "لا تلمسها."

ضحك الأب، بصوتٍ أجوف، وقال:

- "أمرك عجيب…"

ثم فجأة، ضربه لكمة في صدره، دفعته للخلف.

تقدّم ظافر وهو يئن، ثم صرخ:

- "لن أترُكها."

ردّ الأب بابتسامة ساخرة، وقال:

-"وماذا بعد؟"

اندفع نحوه ظافر

اندلعت خناقة.

صوت الزجاج، تناثر الخشب، دفعات متبادلة…

الرجال من الفيلا اندفعوا يحاولون التفرقة، النساء يصرخن، والمشهد يزداد توترًا.

نتج عن ذلك:

الأب بخدشٍ طفيف في وجهه. و ضحكات خبيثه

وظافر بحاجبٍ مفتوح، يسيل منه الدم.

تدخّل الحرس، وتم فصلهم.

بعدها، ذهب الاثنان إلى الطبيب في نفس السيارة، صامتَين، غارقَين في دمَين مختلفَين:

أحدهما… دم خيانة.

والآخر… دم وعدٍ لا يُنسى.

في السياره دار نقاش حاد بين ظافر و عاصم بيك كاد يُنشِب معركه اُخرى و لكن ما هدأهم كان صوت أميراس المتألمه :

-سنموت جميعاً

في المشفي نظرات و دموع بكل إتجاه، نظرات توحي بالحقد

نظرات توحي بالقلق

نظرات توحي بالندم

و دموع متأرجحة بين ندب على حظ و خوف من القادم و دموع من الإشتياق و دموع تفيض من الصمت تحت التهديد