( رغبة الهروب)
_____
[السندرة – مساءٌ يختلط فيه السكون بأنفاسٍ متشابكة]
جلسا جنبًا إلى جنب تحت ضوء خافت ينبعث من مصباح صغير معلق في السقف، تتراقص ظلالهما على الجدران العتيقة. كانت "السندرة" ملاذهما الأخير، بعيدًا عن ضجيج الشك والخذلان.
مدّ ظافر يده إلى الجرامافون القديم، وأدار قرصه بلطف، فتسلّل صوت ناعم قديم، فيه حنينٌ لا يُقال. لم تُذكر الكلمات، لكنها كانت كافية لتحمل أرواحهما بعيدًا… حيث لا أب يراقب، ولا ماضٍ يتربّص.
مدّ يده إليها، ونظر في عينيها طويلاً وقال بصوتٍ خافت:
-"تراقصي معي، ولو لدقائق… دعيني أصدّق أننا بخير.
وقفت، تردّدت للحظة، ثم وضعت يدها في يده. كانت خطواتهما هادئة، خفيفة، كأن الأرض نفسها قررت أن تصمت احترامًا لما بينهما. يداه بيد لها ، ويد لها على كتفيه، وجسدان يتهامسان بصدقٍ لا يجيده الكلام.
قال بصوتٍ مكسور، فيه أمل:
- "أنا أحسب الأيام… لا أريد من عمري إلا تلك اللحظة التي أصل فيها لعشرين عاماً... وأهرب بكِ. أحرّرك من كل هذا. من أبي، من ماضيك، من كل شيء. و اُحرر نفسي معك"
ابتسمت، لكن عينيها احمرّتا. همست:
- "إلى أين؟ إيطاليا؟ فرنسا مثل عمّك؟"
اقترب منها أكثر، وتناغم جسده مع الموسيقى:
- "أنتِ تختارين… أنتِ كل اختياراتي."
صمتت، ثم نظرت إليه بعمقٍ لا يخلو من رجفة:
- "أريد أن أذهب إلى المدينة المنوّرة... أزور أرض الطمأنينة. لا أهرب من العالم، بل أهرب إلى السلام."
وقبل أن يردّ، جاء الصوت من الطابق السفلي، حادًّا، خشناً قطع الهواء :
- "ظافر! تعال حالًا."
توقّفت الموسيقى، تجمّد الزمن، وارتبكت أنفاسهما… سحب يده بهدوء، ثم قال:
-"لا تخافي... سأعود."