طاولة الغدر
____
كانت أميراس التي تسبق خطواتهم بسن ظافر تقريباً كانت تصغره سنتين و لكنها امتلكت من مقومات المرأه ما يجعلها في العشرين أو ما شابه
و مع النظرات الخاطفه لظافر و أميراس تنظر عن كتفها اليسار للخلف بإبتسامه تشعر، تلقى ظافر لكمه صفحه على مؤخر رأسه من عادل
-إحترم نفسك! و انظر للأسفل
على الرغم من تنبيه عادل له إلا أنه لمح ضحكات أميراس على تلك الصفعه و ضحك هو الآخر
فتحت أبواب غرفة الطعام من قبل الخدام و دخل كل من عادل و ظافر مع تعليق عاصم
-احموا اطباقكم ها قد اتت الكلاب
رمق عادل نظره و كأنه يرسل شكل عاصم المقتول من عينيه
ضحك عاصم ضحكه خفيفه بشفتيه البنيه نتاح نيكوتين السجائر ضحكه خبيثه
نظر مالك بيك الكبير و أومأ برأسه كنايه عن عدم إعجابه بما يحدث و شار بيده لهم للجلوس
جلس الجميع و بدأوا بتناول الطعام فور بدأ مالك بيك الكبير الذي تكاد من كبر سنه تتسائل كيف لرجل في أواخر التسعينيات ان يمتلك كل تلك القوه حتى لرفت معلقه و تناول الطعام
-عادل كيف العمل بالمصنع "تحدث مالك بيك الكبير"
-جيداً جداً و لو أني أرى أننا نحتاج لبعض التغييرات فالعالم من حولنا يتغير
قاطعه مالك بيك الكبير…
-عشت طوال عمري أحمي ميراث العائله و عملها فليمت العالم بتغييراته، لن أغير إصبعاً من أعمالنا
و بدأ يسعل كأن هناك ما يخنقه انتفض الجميع بالمناوله بكأس ماء أو التربيط الخفيف على ظهره أو تحريك الهواء من حوله
حتى وقع وجهه على الطاوله و كانت شفتاه مدهونه باللون الأزرق و عيناه جاحظتان تنظران لشئ أو شخص
صرخت السيدات مما دفع الرجال لإخراجهم من الغرفه و محاولة إفاقته، و سرع ظافر لطلب الإسعاف
و لكنه بالفعل قد مات..
ظل ظافر مكانه ينظر من حوله و يتسائل ماذا حدث و ماذا يحدث لتحل اللعنه على تلك العائله كذلك؟
أولاً موت والدته و اختفاء جثة الخادم نوح ثانياً موت جده بطريقه غريبه لحظه..
-هل ممكن أنه مات من اشتعال الغضب في عروقه؟
تسائل بصوت تكاد تسمعه حتى أتاه الرد
-نعم عادل هو القاتل
من الخلف عاصم بيك ينظر لظافر و عيناه الغائره تلمع و كأنه وجد كنز ما
و ضم ظافر له..
-لطالما علمت بأنك ذكي، تربية والدتك
تذكر ظافر والدته في تلك اللحظه و الورقه التي كانت بيدها و اشتعلت في ذهنه فكرة النظر لها اخيرا بعد مرور كل ذلك الوقت
بالفعل أتت الإسعاف و طبيب العائله الذي أكد عدم موتة مالك بيك بطريقه طبيعيه و أن هناك عامل خارجي ساعد في موته خصوصا و أنه كان يتابع حالته الصحيه و يؤكد أنه لا يمكن أن يموت لمجرد الغضب
ترك ظافر الجميع و قفز لغرفته..
في الطريق لغرفته قابل أميراس التي كانت تنفض عن الحائط غبار أثارته رياح البارحه؛ و الشمس تلمس عينيها اليمنى لتظهر اللون الأخضر بهم و شعرها الأصفر يضئ كخصل من الذهب و ذلك الفستان الوردي الذي يليق جيدا بمافتنها
تبسم لها و ردت هي الأخيره و هي تحرك تلك الخصل وراء أذنها..
ما أن دخل غرفته ووضع الورقه بيده سمع نقر على الباب
-تفضل (و هو يخبأ الورقه في جيبه)
-أهلاً ظافر هل أعد لك شيئاً تشربه ليهدأ أعصابك بعد تلك الليله العصيبه (أميراس تتحدث)
-هلا بقيت قليلاً لأتحدث معك
-طبعاً في أي وقت ، كانت ستجلس على الأرض و لكن تمسك ظافر بيدها و منعها و أخبرها بالجلوس بجانبه و أخذ بالحديث عن صعوبة تصديق ما يحدث و عن اشتياقه لوالدته و كيف أنها تذكره بها كثيراً و جده الذي شعر و كأنه ينظر لشئ ما.. كأن عينيه… تخفي الحقيقه…
و هي تملس علي شعره الناعم لا تقلق يا ظافر كل شئ سيكون بخير بدأت بتحريك خصيلات شعره ذهاباً و إياباً و تحرك قلبه مع تلك الأصابع
سحب يدها و طلب منها القدوم معه للسندره حيث مكانه المفضل و سماع أغاني العظام بهدوء
تسلل الإثنان للسندره و هما يلتفتان من حولهم و يركضوا و ضحكات تعلو وجوههم
حتي وصلوا مكان يملأوه الغبار من كل مكان و العديد من الكراسي العتيقه ذات الطراز القديم و جهاز فونك و جهاز جرامافون وأطنان من الإسطوانات الكبيره المغلفه و مكتبه خشبيه كبيره بها ضلفتان مكتوب على أحدهما
"استمع" و الأخرى "يوحى"..
اخذ ظافر قرص كبيره ووضعه بالجرامافون و وضع إبره بيد الجهاز و أدار اليد الأخرى ليصدر صوت عذب من داخل مكبر الجرامافون يغني
كان الصوت ينساب من مكبر الجرامافون كأنه يسرد حكاية قديمة لا تنتهي، والغبار يرقص في الضوء كأرواحٍ صغيرة تقفز من الماضي.
جلس ظافر على الأرض وأسند رأسه إلى الحائط الخشبي، وأميراس إلى جواره، تقلب إحدى الإسطوانات ببطء وكأنها تتفحّص جزءًا من ذاكرته.
قال بصوت خافت:
- "كلما جئتُ إلى هنا، شعرتُ أن أمي لا تزال قريبة... كأنها تراقبني بصمتٍ من بين هذه الكتب، من خلف هذه الأصوات."
لم تُجِب، بل اكتفت بنظرةٍ مطوّلة نحو وجهه، ثم همست:
- "أحيانًا، لا تراقبنا الأرواح... بل تنتظر أن نكتشف شيئًا... أن نُتمّ رسالة لم تكتمل."
نظر إليها بتساؤل:
-"أهكذا تؤمنين بالأرواح؟"
ابتسمت بحزن وهي تضع الإسطوانة جانبًا:
- "أؤمن أن من يموت، لا يرحل حقًا... بل يبقى حيث تُحفظ الأسرار."
سكت للحظة، ثم قال:
- "أشعر أن هناك شيئًا يُخفي نفسه في حياتي... ليس فقط موت أمي، بل شيء أقرب، أخطر... وأنتِ..."
ارتبكت، لكنها حاولت السيطرة على تعبير وجهها:
- "أنا؟"
اقترب منها قليلًا، نظر في عينيها:
- "أشعر بشيء داخلكِ... كأنكِ لستِ فقط أميراس التي أعرفها، بل شخص آخر... تحملين سكونًا يشبه الخوف، وكأنكِ تنتظرين أن يحدث شيء فاصل."
سكتت، يداها ترتجفان فوق ركبتها، ثم قالت بهدوء:
- "وأنت أيضًا يا ظافر... منذ عُدتَ من المقبرة، لم تعد كما كنت. عينك تغيّرت... حتى صمتك."
ابتسم بمرارة، وقال:
- "ربما لأنني بدأت أرى الحقيقة... لكن لا تقلقي، لستُ بعدُ مستعدًا للرحيل."
ثم قام من مجلسه، اقترب من المكتبة، ووضع يده على ضلفة "استمع"... لكنّه لم يفتحها.
قال دون أن يلتفت:
- "هل تسمحين لي أن أريكِ شيئًا غدًا؟... شيئًا أظنه سيغيّر كل شيء."
نظرت إليه أميراس في صمت، قلبها ينقسم إلى نصفين، أحدهما يتذكّر المهمة، والآخر... يرتجف من فِعلتها القادمة.
التعليقات