10

جناية "الأب الغني": حين أصبح الأمان عاراً

منذ أن أصدر روبرت كيوساكي إنجيله المالي "الأب الغني والأب الفقير"، ونحن نعيش تحت وطأة عقدة ذنب جماعية، مفادها أن الوظيفة المستقرة هي مجرد "سباق فئران" مهين، وأن الموظف هو "عبد" عصري يفتقر للذكاء المالي، بينما البطولة المطلقة محجوزة للمستثمر والمغامر.

​لكن، ألم يحن الوقت لنسأل بجرأة: هل كانت نصيحته حكمةً خالدة أم سماً دُس في عقول جيل كامل؟

​لقد أنتج هذا الكتاب جيشاً من الساخطين الذين يذهبون إلى أعمالهم كل صباح بشعور القهر والاحتقار لمصدر رزقهم الوحيد، مطاردين سراب "الحرية المالية" و"الدخل السلبي" دون أن يمتلكوا المهارة أو رأس المال، فانتهى بهم المطاف ساخطين على الواقع، بلا وظيفة يتقنونها ولا ثروة حققوها.

​الحقيقة المرة التي يتجاهلها رواد التنمية البشرية هي أن الحضارة لم تُبنَ فقط بمغامرات المستثمرين، بل قامت أساساً على أكتاف "الأب الفقير" الملتزم؛ ذلك الموظف الذي يبني ويعالج ويدير التروس بانتظام ممل ولكنه حيوي.

إن وصم الاستقرار الوظيفي بـ "عبودية القرن العشرين" هو أكبر خدعة تسويقية انطلت علينا، فبسببها بتنا نشاهد جيلاً يزدري القليل المضمون طمعاً في الكثير الموهوم، والنتيجة الحتمية لهذا الكبرياء الزائف ليست ثراءً فاحشاً كما وعدهم الكتاب، بل هي بطالة مقنعة تتخفى خلف مسميات ريادة الأعمال، وحياة كاملة تُهدر في انتظار ضربة حظ لن تأتي.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

البطولة للمغامر .. لكن لم يُخلق للبطولة إلا القليل

كلامك صحيح، لكن المشكلة أن الوقت الحالي يوهم الجميع أنهم أبطال خارقون كامنون، وهذا ما يسبب الإحباط الجماعي..

أصبت في وصفك لـ 'الإحباط الجماعي'. إن بيع وهم البطولة للجميع هو تجارة رائجة بحد ذاتها، والنتيجة هي جيل يشعر بالتقصير الدائم لأنه لم يصبح مليونيراً في سن العشرين، بدلاً من أن يفخر بإتقانه لعمله اليومي ومساهمته الحقيقية في مجتمعه.

صحيح أن للمغامرة أبطالها، ولكن الإشكالية الحقيقية تكمن في تصوير الحياة المستقرة والوظيفة الثابتة كأنها سيناريو للفشل، مما يضع ضغطاً نفسياً هائلاً على الأغلبية العظمى التي تقوم عليها أعمدة المجتمع فعلياً، وكأننا نطلب من الجميع أن يكونوا استثناءً

أعتقد أن الكتاب أصاب نقطة أساسية وهي أنه ليس هناك أمل كبير لموظف يعتمد في دخله على وظيفته فقط، لكن ما هو موجود في الكتاب شيء، وما فهمه آلاف القراء شيء آخر، وفي النهاية كل إنسان مسؤول عن أفعاله وعن رؤيته لواقعه.

فالكتاب يحرض على توسيع مصادر الدخل وعدم الاعتماد فقط على الوظيفة، لكن لو بعض القراء فهموا النص أنه يجب عليهم السخط على وظيفتهم فربما المشكلة في نضجهم وليس في نص الكتاب.

نتفق تماماً على أهمية تنويع مصادر الدخل، فهذا ذكاء مالي لا غبار عليه. لكن اعتراضي الأساسي ينصب على 'النبرة' التي صيغت بها هذه الكتب، والتي جعلت من ازدراء الوظيفة وقوداً للتحفيز، مما خلق فجوة نفسية عميقة بين الموظف وواقعه قبل حتى أن يمتلك البديل أو المهارة اللازمة

أعتقد أنها أيقظت الكثيرين من حلم أن الوظيفة ستؤدي يوماً للثروة، وجعلتهم يواجهون الواقع أن المرتبات التي يتلقونها هي الفتات أمام أثمن ممتلكاتهم وهو وقتهم = حياتهم.

أتفق معك في أن الوقت هو العملة الأغلى، وأن الوظيفة نادرا ما تصنع 'الثراء الفاحش'.

لكن وصم الراتب بـ 'الفتات' هو تحديدا جوهر الخلاف؛ فهذا المنظور يختزل قيمة العمل البشري في العائد المادي فقط، متجاهلا أن هذا 'الوقت' المبذول هو ما يبني الحضارة ويعالج المرضى ويعلم الأجيال.

الصحوة المالية مطلوبة، لكن لا يجب أن تكون ثمنها تحطيم المعنويات أو التقليل من شأن الدور العظيم الذي يلعبه الموظف في استمرار الحياة، حتى وإن لم يملك الملايين.

نص يحمل وجهة نظر مفيدة، خصوصاً عن الذي تكلمت عنهم، لا بنوا ولا رضوا.

هذه هي الفئة الأكثر تضرراً للأسف؛ تلك التي فقدت السكينة والرضا بما في أيديهم، ولم يدركوا القوة أو الثروة في المقابل، فصاروا معلقين في منتصف الطريق بلا أرض صلبة يقفون عليها.

المفارقة أن كيوساكي نفسه واجه انتقادات حادة حول مصدر ثروته الحقيقي هل هي من العقارات أم من مبيعات كتبه التي تخبرك كيف تصبح غنيا 😆

وهذا يعزز فكرة أن الأمر برمته قد يكون نموذجاً تجارياً بارعاً لبيع 'الأمل' أكثر منه دليلاً عملياً للثروة. المفارقة تكمن في أننا أحياناً نقدس النصائح بينما قد يكون المصدر نفسه قد حقق ثروته الأساسية من جيوب الحالمين بتلك الثروة.

أنا لا أتحمس أبداً لمثل تلك الكتب، التي تجعلك تشعر بالسخط تجاه عملك المستقر، وكأن المشكلة نفسها تكمن في الوظيفة، فالوظيفة بقدر ما تقدر مملة، وقد تجعل الشخص يشعر بالجمود بتكرار نفس المهام تقريباً كل يوم، إلا أنها تجعله يصبح متفاني أكثر في العمل، بالإضافة إلى توفير أمان مادي مستمر، يمكنك بالطبع اللجوء إلى مصادر دخل أخرى جانبية لتحسين وضعك الإجتماعي، لكني أتعجب الصراحة من أن هناك أشخاص تنجرف وراء تلك العقليات وتترك الوظيفة الآمنة دون تحديد خطة واضحة للبدء من جديد،، فيجد الشخص نفسه مكتئب وعاطل.

بالضبط، التصور الخاطئ عن 'الاستقرار' هي الخطر الأكبر. الوظيفة في كثير من الأحيان هي الممول الأول لأي مشروع جانبي أو حياة كريمة، واحتقار هذا المصدر الآمن قبل بناء غيره هو قفزة في المجهول غالباً ما تنتهي بكسر العنق لا بكسر القيود كما يصورون.

​لقد أنتج هذا الكتاب جيشاً من الساخطين الذين يذهبون إلى أعمالهم كل صباح بشعور القهر والاحتقار لمصدر رزقهم الوحيد، مطاردين سراب "الحرية المالية" و"الدخل السلبي" دون أن يمتلكوا المهارة أو رأس المال، فانتهى بهم المطاف ساخطين على الواقع، بلا وظيفة يتقنونها ولا ثروة حققوها

يا صديقي، هؤلاء الساخطين موجودين دائما دون وجود الكتاب وحتى قبل ميلاد الكاتب، لم أرى في حياتي من يعبر عن سعادته بالوظيفة وعشقه لها، حتى أطول الموظفين عمرا في الوظيفة يشعر بالرعب وتتسارع ضربات قلبه من هذا الوقت المعلوم الذي سيقارقها فيه ويتقاعد، أنظر في المجتمع الى هؤلاء الذين لم يقرأوا في حياتهم ولا يعرفون من هو روبرت كيوساكي، سترى انهم يعبرون عن نفس الرعب والسخط الدائم على الرواتب التي لا تكفيهم والحياة التي لا يستطعيون أن يحسنوا من مستواهم فيها مهما فعلوا

​الحقيقة المرة التي يتجاهلها رواد التنمية البشرية هي أن الحضارة لم تُبنَ فقط بمغامرات المستثمرين، بل قامت أساساً على أكتاف "الأب الفقير" الملتزم؛ ذلك الموظف الذي يبني ويعالج ويدير التروس بانتظام ممل ولكنه حيوي.

هذا أيضا غير صحيح، نعم كل الحضارات قامت على العبودية والسخرة، لكن من قال لك أن علينا الإستمرار في نفس النمط؟، هذا النمط الذي يخلق أفرادا أغنياء، وملايين من الفقراء، نحن لا ننتقد الاب الفقير، ولا نرى ان الجميع يجب أن يكونوا مستثمرين، ولكن حتى الوظيفة يمكنها أن تتحرر من هذا النمط الظالم، أنا مثلا لازلت موظفا، نحن هنا على مستقل نقدم الخدمات وننجز المهام لا لأعمال خاصة بنا بل لمشاريع عملاء أخرين، ونتقاضى على هذا أجر، لكن هذا الأجر العادل والذي نحدده بأنفسنا نظيرا لما سنقدمه من مهارات وخدمات هو ما يجعلنا أحرارا أكثر ولدينا دخل ومرونة ووقت للحياة، ومن أجتهد أكثر سيحصل نتيجة أفضل، وبالطبع انت تعلم أن الوظيفة مختلفة تماما عن هذا، ثم حتى في العصور السابقة كان الفلاح والمزارع ومربي الاغنام وتاجر التوابل والنجار والحداد، كل هؤلاء لم يكونوا موظفين براتب ثابت لا يراعي جهودهم وأرباحهم وإنما يشتري أوقاتهم!، كانوا يعملون ويجتهدون ويحصدون ثمار جهودهم، الوظيفة مختلفة يا صديقي كل الاختلاف، ويمكنك اليوم ان تحصل على دخل سلبي دون الحاجة لدراسه الاستثمار أو حتى امتلاك رأس مال كبير، لذلك لا أرى اي داعي للدفاع عن الوظيفة، ربما الوظيفة فائدتها الوحيدة هي تأمين دخل مستقر أثناء العمل على اكتساب مهارات اخرى، بهذا الشكل تكون مفيدة كمرحلة مؤقته، لا كأسلوب حياة

حديثك عن العمل الحر وكأنه طوق النجاة من العبودية هو تبسيط مخل للواقع، فأنت في العمل الحر لا تتحرر من المدير، بل تستبدل مديراً واحداً بمائة عميل، كل واحد منهم يظن أنه يملك وقتك بالكامل مقابل فتات المال، وتتحول حياتك لعمل مستمر بلا إجازات أو فواصل.

​أما فكرة الحرفي القديم والفلاح، فهي تتجاهل أنهم كانوا يعملون حتى الموت بلا تقاعد أو تأمين، تحت رحمة الإقطاعي أو تقلبات الطقس. الوظيفة الحديثة، بجمودها، وفرت شبكة أمان لم يحلم بها أجدادنا، ومشكلتنا هي احتقار هذا الأمان ومطاردة وهم "الدخل السلبي" الذي لا يتحقق إلا لندرة المحظوظين.

لقد قراءة غالب كتب روبت كيوساكي بإستثناءات بسيطة جدا وكان على طول تلك الكتب يؤكد ان الوظيفة عبودية بكلمات صريحة حتى انه مرة تتطلق بخياله لسؤال ماذا لو اختفت جميع الوظائف من العالم فجأ واصبح جميع الناس بين خانتين B و I فاجاب ببساطة انه لن يحدث او يختلف شئ والعالم سيسر بشكل طبيعي في هذا السياق كان يتحدث عن تحقير الوظيفة وتعظيم رجالا الاعمال والمستثمرين.

العجيب في الامر اني لم استطع نقد هذا الفكرة إلا بعد سنوات من مطالعتي لها وهذا لاني كنت منبهر بالكتاب واسلوب روبت كيوساكي حيث اظهر في بعض كتبه إبداع ربما يفوق إبداعه في كتاب الاب الغني والاب الفقير فهذا الفكرة التى تنتقد بسهولة الان لم تكن كذلك عند قراتي للكتاب بالتالي فكرة تنويع مصادر الدخل هي فكرة عظيمة ولكن روبت كيوساكي بناء مبيعاته على فكرة الاحتياج انت لا تشتري هذا الكتاب او هذا الكتب لانك تريد إضافة لحياتك.

انت تشتري هذا الكتب لانك تحتاج لها لانك تحتاج ان تخرج من سجن الفقر والتحرر من عبودية الوظيفية ونجاتك عندي انا انا من يعرف الحل ولذلك اقتني كتبي وافكار ولا عجب اني قراتي بعض كتبه مرات عدة وهو كاتب مبدع صراحتي ولكن ليس كل كلام جميل يعد به كذلك ليست كل افكاره خاطئية.

تحليل دقيق وعميق جداً. لقد وضعت يدك على الجرح تماماً حين وصفت أسلوبه بأنه بيع لـ 'الاحتياج' وليس مجرد إضافة معرفية؛ فهو يتقن العزف على أوتار الخوف من الفقر والرغبة في التحرر، ليقدم نفسه كمخلص وحيد. والنقطة التي أثرتها بخصوص افتراضه عالماً بلا موظفين تكشف بوضوح عن الفجوة الكبيرة بين النظريات الحالمة والواقع التشغيلي للأرض، فالحضارة لا تقوم بالمال وحده بل بالسواعد التي تديره، ومن الجيد أن الوعي النقدي يتشكل مع الوقت والتجربة لنرى الأمور بنصابها الحقيقي.

اذا فهم القراء من الاب الغني والفقير مثل ما تقول فهو فهم خاطئ بالنسبة لهم

في الكتاب اشار ان لكل شخص موضع "راحة" يناسبه، فمن يرتاح للوظيفة والاستقرار المالي فليكن في ذلك ومن يرتاح لادارة الاعمال والمغامرة فليكن في ذلك

لكن كليهما له الحق في ان يمتلك ثروة خصوصا بعد التقاعد

والاستثمار وتخصيص جزء من ارباحك لتصبح مستثمراً ليس حكرا لا على الطبقة الغنية ولا على رجال الاعمال

أتفق معك تماماً في أن الاستثمار حق مشروع للجميع، وأن تأمين المستقبل المالي هو غاية نبيلة. لكن الإشكال يكمن في 'المصطلحات' التي استخدمت لتوصيف الطرف الآخر؛ فحين يتم وصف الوظيفة بـ 'سباق الفئران' أو ربط الأمان بـ 'الخوف'، فإن ذلك يولد شعوراً بالدونية لدى الموظف تجاه خياره بالاستقرار. نحن لا ننتقد الدعوة للاستثمار، بل ننتقد التقليل من شأن الوظيفة كوسيلة عيش كريمة وأساسية لبناء هذا الاستثمار.

اتفق معك في ذلك ولا ادافع عنه لكن الناس فعلا لا تفكر في الاستثمار وهذا يجعلهم بالفعل بهذا الوصف!

اقصد بالاستثمار ليس ترك الوظيفة بل شراء الاسهم المستقرة وتأمين التقاعد مثلاً