لماذا يجعلنا الموت أكثر رقة وتسامحا مع من أساء إلينا؟

تحتد الصراعات والخصومات في حياة بعض الناس، وتشتد بينهم العدوات، وقد تصل إلى الانتقامات من الغرماء، ولا تفتر جذوتها رغم تدخل أصحاب النيات الحسنة، لرأب الصدع وإصلاح الخلاف، ورتق العلائق وإبعاد الخصام، ولكن ما أن تخطف يد المنون ألد الأعداء، حتى تلين القلوب، وتندم على تضييع العمر في الصراع، وتسامح المتوفى عدو الأمس، وتطلب له الرحمة والغفران، وأن يُدخل جنات النعيم.

لماذا يمسح الموت الغضب والحنق على الغريم؟

وكيف يُليِّن القلوب ويجعلها تنقلب حد النقيض؟ هل خوفا من الموت نفسه؟ أم ييقن أن الحياة لا تستحق هذا الصراع والحقد؟ والأجدى أن تعاش بحب وسلام.

ولكن هل الموت يجعل الفرد يتوب عن الصراعات والأحقاد، ولا يعاود الكرة مع الأحياء، ويحاول إصلاح علاقاته بالتي هي أحسن؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

إن الموتيا أمينة يُلقي بظلاله العميقة على النفوس، فيجعلها ترى الأمور بنظرة أوسع وأعمق وأشمل. فعندما يغيب الغريم إلى العالم الآخر، تتلاشى أمامنا تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تغذي الصراع، وندرك أن الحياة أقصر مما نتصور، وأن الحقد والعداوة لم يكونا جديرين بكل ذلك الوقت والطاقة التي ضيعناها عليهما. يذكرنا الموت بأننا جميعًا مصيرنا واحد، فينتابنا شعور بالضعف والتعاطف تجاه من كان عدونا بالأمس. ليس فقط خوفًا من الموت نفسه، بل أيضًا إدراكًا أن الحياة قصيرة جدًا لكي نضيعها في الخلافات الباطلة. هذا الإحساس بالرحمة والتسامح قد يدفع الإنسان إلى مراجعة علاقاته مع الأحياء، ويجعله يسعى لإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان، مدركًا أن كل لحظة تمضي هي هدية ثمينة لا ينبغي إهدارها في النزاعات العقيمة.

بالفعل، هناك مِنَ الناس مَنْ يتعظ عند موت الغريم، ويدرك أن لاشيء في الحياة يجب أن يجرنا إلى الأحقاد والعدوات، فهي فانية ونحن فيها زوار، فلتكن زيارتنا نقية، نافعة لنا ولغيرنا، والأحرى أن نترك أثرا طيبا وعملا نافعا، وألا ننشغل بالصراعات ومحاربة بعضنا بعضا، بل نتحد ونتعاون، لنساهم ولو بقسط صغير في إرساء قواعد اجتماعية، تمتح من السلم والحوار بالتي هي أحسن، ونبذ التعصب والتطرف.

NoraAbdelaziem أضف ردا

دعيني أخبرك أمينة أن ليس الجميع يحدث معه هكذا، أعرف أشخاص لم يتحرك لهم جفن عند حدوث ذلك بل كانوا أكثر شماتة يشمتون بالموت وبأقرب المقربين، رأيت ذلك بعيني واندهشت كيف للإنسان أن يضمن نفسه ليمشي متباهيا على أحزان الآخرين، فالشخص الذي لديه معدن جيد هو من يتأثر ويتذكر حقيقته وأن الحياة فانية، ويدرك حينها قيمة الوقت وقيمة العلاقات

بكل تأكيد، لا تعميم في أي شيئ على الجميع، إلا أن الكثير من الناس بعد الموت تعي جيدا، أن الحياة أثمن من أن تهدر في الصراعات والعدوات، وعمر الإنسان ماهو إلا سوات قليلة، فالأجدر أن يستغل فيما ينفع الفرد و الناس أجمعين، قبل فوات الآوان،، ويسعى المرء فيه لتحقيق ما هو أخير لدنياه وآخرته.

هؤلاء الناس يحبهم الله، لأنه أراد أن يردهم إليه ردا جميلا، فاتعظوا مما حدث وأدركوا حقيقة الأمر، وأجدهم محظوظين بدلا من الانغماس في ملهيات الحياة التي لا تنتهي

صحيح نورا، يحبهم الله، وقد تلقوا تربية حسنة، جعلتهم يأخذون العبرة ويتعظون مما سبق، ويعون أن ما يجلب بالحب اللين والحوار، لا يمكن أن يدرك بالقسوة والشدة والتعصب للرأي.

أعتقد لأن الموت هو بمثابة حكم عادل يصحح مسار الزمن. فما إن يرحل العدو حتى يتكشف لنا، في لحظة فارقة، سخف الصراعات التي كنا نغرق فيها. هذا التغيير المفاجئ في مشاعرنا قد يكون، كما يُظن، نتيجة للخوف من الفقد، أو ربما إدراكنا أن الأوقات الضائعة في العداء لا تساوي شيئًا أمام حقيقة واحدة، وهي أن الحياة ليست سوى لمح البصر.

ماذا لو كانت الدروس التي نتعلمها من الموت، وفي اللحظات الأخيرة، تكون مجرد مكملات زائفة لما يفترض أن نعيش من أجله؟ وهل تظل نوايا التسامح كما هي حينما تتجدد العلاقات مع الأحياء بعد ذلك، أم أن الموت يظل فقط أداة لفرض التوبة القسرية في لحظة اختلال عقلانية؟

وهل تظل نوايا التسامح كما هي حينما تتجدد العلاقات مع الأحياء بعد ذلك، أم أن الموت يظل فقط أداة لفرض التوبة القسرية في لحظة اختلال عقلانية؟

صحيح، يتساءل المرء هل مشاعر التسامح والسمو فوق العدوات، التي تطغى حين الموت، هي بفعل نابعة من إدراك حقيقي، بأن الحياة أهم من أن تضيع في المهاترات والصراعات التافهة، أمام جبروت الحياة والموت، أم أن هذا الشعور بالترفع عن الشنآن والضغينة مؤقت، أملاه جزع الموت، والوقوف عند المصير المحتوم لكل حي، سرعان ما ينجلي بمرور اللحظة المهيبة.

أعتقد لأننا ندرك وقتها أنه لم تعد هناك فائدة من هذا العداء وأن أحد الطرفين قد رحل للأبد والموت أصبح قريبًا ووقتها سيصبح أي شيئ أقل أهميه من الغفران، نفكر لو كنا نحن مكانه فلن نتمنى سوى الغفران.

بالفعل ميادة، لم يعد هناك من داع للحقد أو الصراع، لقد مات أحد طرفي العداوة، ولم يبقى لنا سوى الترحم عليه، واستعاب الدرس، أن الدنيا فانية، والأجدر بنا ألا نضيع أعمارنا في الخصام والحقد، ونعمل على ترك أثرا طيبا ننتفع به في دنيانا وآخرتنا.