"المرحومة أخت زوجته"، كيف يهدد العمل الابداعي مسيرة صاحبه؟

فرانك ستوكون أديب أمريكي ذائع الصيت، اشتهر في القرن التاسع عشر، ولديه مجموعات قصصية.

كان يؤلف قصصا متوسطة المستوى ويرسلها للمجلات، ويحقق بذلك دخلًا معقولًا له ولزوجته، وفي ليلة سوداء يهبط عليه الإلهام بشكل غير مسبوق.

فألف ليلتها قصة رائعة اسمها "المرحومة أخت زوجته" وبالطبع كانت زوجته أول من يقرأ أعماله وحين قرأتها ظلت صامتة ثم انفجرت بالبكاء وقالت: 

هذه أروع قصة قرأتها في حياتي.

أرسل القصة إلى المجلة ثم انهالت عليه رسائل المديح والاطراء، وهذا ما جعل رئيس تحرير المجلة يرفع مكافأة المؤلف.

انتهت ضوضاء "المرحومة أخت زوجته" وأصبح القراء يطلبون قصصا بنفس جودتها ولا يرضون بالأقل.

وبدأت المجلات لا تقبل قصصه حتى لا تبدد نجاح قصته تلك، وعاد صديقنا للبحث مجددا عمن ينشر قصصه ويعطيه في المقابل دراهم معدودة ليُسكت جوع عائلته.

وحين نال منهما الجوع أصبح ينشر تحت اسم مستعار وذات ليلة هبط الهامه مجددا وبات إلى طلوع الفجر يحْبِك قصة "أحزان الخريف" .

وحين قرأتها زوجته صاحت باكية وتبادلت مع زوجها نظرات الذعر قائلة: 

أروع قصة قرأتها لك بعد … قصة … المرحومة…

هدّأ زوجته وحين هبط الليل، أخذ قصته ودسّها في كيس واختار مكانا ووأَدها قبل أن تقوم هي بِوأْدِ مسيرته الأدبية . برأيكم دفنها حتى لا تنتهي مسيرته؟ أم حتى لا ينقطع قوته؟

هذا ما سماه الدكتور أحمد خالد توفيق بالعمل المدمر في كتابه اللغز وراء السطور.

تحدث هذه العقدة مع كل فنان وليس فقط الكاتب، وربما هذا هو السبب الذي جعل آرثر كونان دويل يقتل شارلوك هولمز لأنه تضخم وأصبح أشهر منه، لكن حين طالب الجمهور بعمل لا يقل عن براعة وإبداع شارلوك هولمز، أعاده إلى الحياة.

وحتى ألدكتور أحمد خالد توفيق كان ملاحقا دوما بثنائية "آخر الليل- الجاثوم" من سلسلة ما وراء الطبيعة.

ختم الدكتور القصة بقوله:

الخلاصة هي أنّ كل كاتب أو موسيقي أو رسام لديه "المرحومة أخت زوجته" الخاصة به.
لكنه لا يجرؤ بالطبع على دفنها.
هو بالتأكيد شخص تعس، لكن الأتعس منه هو الشخص الذي ليس في حياته عمل فني مدمر واحد!

هل ينبغي أن أكون تعيسة لأنني لا أملك "المرحومة أخت زوجته" أم علي العمل على كتابتها عاجلا؟

ما رأيكم في ذلك؟ وهل تتفقون معه في وصفه أم لديكم رأي آخر؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لكل كاتب، كتاب واحد كان العامل الأكبر في شهرته، وربما تكون بعدها تعاسة لعدم إنجاز مشروع كالذي كان يمثل الابداع الأولي له، فيسقط في متاهة مقارنة كل ما يكتبه بإصداره الأدبي الذي ذاع سيطه. وهنا لابد أن يقطع الصلة الوثيقة بالابداع النموذجي الذي يمثل مقاس وحجم الابداع لديه.

ولعل أن الإبداع الفني في كل المجالات هو بداية للزخم الكبير لما يستطيع تقديمه الإنسان لكن بشرط الإرادة والشغف في مزاولة نهج الإنتاجية.

واتفاقًا مع ما تقولينه يا نشوة، يمكنني أن أضرب نموذجًا من الأدب المعاصر في هذا السياق، حيث أنني قرأتُ لقاءً صحفيًا للكاتب الكبير جابرييل جارسيا ماركيز ذات مرة يتحدّث فيه عن أحلامه وعن مسيرته المهنية في الأدب وعن أعماله وتاريخه وذكرياته. كان لقاءً لطيفًا للغاية، مميز بشكل خاص، حيث سرد العديد من ذكرياته مع الكتابة. الغريب في الأمر أنه صرّح خلال اللقاء أنه لا يحب رواية مئة عام من العزلة، وهو ما يعتبر صادمًا لمختلف القرّاء لأنه تربّوا على أنها درّة أعمال جابيررل، لأنه يرى أنها خطفت الشعلة من بقية أعماله الروائية، والتي يرى الكثير من الجودة في رأيه إذا ما قورنت بهذه الرواية. هذا هو ما تقصدينه على ما أظن.

اعتقد انه من الطبيعي لكل مبدع ان تكون له (المرحومة اخت زوجته ) اي قمة الابداع ، وهي حالة يصل لها كل انسان في مجال عمله مهما كان ، حتى حياة الانسان نفسها تصل الى ذروة الكمال غالباً مع عمر الاربعين ، وبين تلك الذروه لحظات من الارتفاع والانخفاض في الابداع ، انه محق في ان التعاسة الحقيقية هي عدم وجود (المرحومة اخت زوجته ) في حياة كاتب او مبدع ، لانها تعني ببساطة انه كاتب عادي وليس مبدع ، اما ان استطاع ان يكرر التجربة عدة مرات ، فهذا يتجاوز الابداع الى العبقرية .

اما ان استطاع ان يكرر التجربة عدة مرات ، فهذا يتجاوز الابداع الى العبقرية

لكن كيف يحافظ الكاتب على البقاء هناك مع عمله العبقري، دون أن ينزل عن حد معين حتى يطالبه جمهوره بالابداع مجددا.

هذا الموضوع تحديداً معقد ، ولا يمكن توقعه ، ولكن سيشفع للعبقري الهبوط بمستوى ابداعه المتكرر ، وستعمل عبقريته على الدفع به الى قمة الابداع مرة اخرى .

أهم ما يجب أن يفعله الكاتب لتكرار ذلك المستوى من الإبداع وخلق أعمل بنفس المستوى هو أن لا يغتر بنفسه ويسعى دائما إلى التطور والمعرفة. فألاحظ أن النجاح في الكثير من الأحيان قد يعطل عند الإنسان شغفه لتعلم المزيد ويجعله يظن أنه حقق مراده ووصل إلى درجة كافية من المعرفة في مجاله. فنحن نلاحظ دائما أن أغلب النجاحات الكبيرة سبقها فشل أو خيبة أمل أحسن الشخص استغلاله كمحفز ومن ثم حصل على نتيجة. فلذلك وقبل كل شيئ، لا يجب الإنسان أن يكتفي بما وصل إليه من معرفة ويجب أن يحافظ على شغف الاكتشاف والتعلم مهما بلغ من ثقافة.

من جهة أخرى، يقع الكثير من الكتاب في مشكلة تكرار الأفكار، فيخف بريقه مع الوقت لأن العمل الناجح هو العمل الخلاق الذي يحمل شيئا جديدا في طياته. هنا يجب على الكاتب أن يبتعد كل البعد عن أي فكرة حققت له نجاحا بالسابق.

لقد قرأت هذا المقال الذي تحدث فيها د. أحمد خالد توفيق عن هذا الموضوع. لم يلفت انتباهي في هذا المقال سوى نصيحة قد تكون صعبة و لكنها فعالة للتخلص من هذا العذاب. هذه النصيحة استخلصتها من المقال ....

أن تكون تحت المستوى أطول فترة ممكنة و أن يعتاد عليك الناس بهذا المستوى، بل يجب أن تشعر المتلقي بجودة مستواك هذا لدرجة أن يُقال عليك "مبدع".

إن العمل الفني في رأيي هو واحد من الرؤى الإنسانية الخاصة بكل إنسان للحياة وللكون وللعالم، وبالتالي فإن النزعة التدميرية التي تمثّل جزءًا من الطبيعة النفسية للإنسان ينبغي أن تكون موجودة في أي عمل فني، رغمًا عن الفنان نفسه. من هذا المنطلق، نجد العديد من المشكلات التي تمثّل هذه النزعة، والتي وصلت بالعديد من الفنانين إلى تهميش أعمالهم والتخلّص منهم، ولدينا واحد من أكبر الأمثلة على ذلك، أعمال كافكا التي حرق معظمها بنفسه، وأوصى صديقه بحرق الجزء الآخر بعد موته، لكن صديقه قرّر أن يعرّفنا بهذه الأسطورة الأدبية. الأمر له توابع لا يرغب فيها أي قارئ للأسف، لكن لا يمكننا أن نحكم على حالة الفنان نفسه لأنها بعيدة عن فهمنا.

لا أعتقد أن الأمر له علاقة بالتدمير في جوهره. ولكنها ظاهرة متكررة عندما يخرج الإبداع عن السيطرة حتى يجعل الإنسان في قالب واحد لا يمكنه الخروج منه بصعوبة.

وأرى الحل هنا أن لا نتوقف عن العمل أو نبقي عملًا واحدًا في الصدارة. بل ألا نخاف من المواجهة والفشل وأن نخرج للعالم ونكمل في الإبداع. ونعم سيقولون أن العمل أضعف من العمل السابق ولكنهم سيعتادون بعد مدة وسيجدون الكثير من الأعمال الجيدة.

ليس علينا أن نجعل الأعمال الممتازة لعنة لنا بل عليها أن تكون الوقود الذي يدفعنا دائمًا للتجربة من جديد.

كل فنان أو كاتب تقريبا يمر بفترات من التميز والإبداع وفترات أخرى بالركود، لذلك ستظهر بعض من أعماله مميزة عن أعماله السابقة ولكن هذا الأمر لا ينقص من إبداعه شيئا، حتى بالنسبة للقراء أنفسهم أحيانا يفاجئوننا قد نعمل بجهد من أجل نصوصٍ نعتقد بأنها ستخلق تفاعلا كبيرا إلا نتفاجئ بعدها لكونها لم تحظى بالقبول، ويحدث العكس عندما ننشر نصا يوميا قصيرا يحصل على تفاعل أكثر.

هو بالتأكيد شخص تعس، لكن الأتعس منه هو الشخص الذي ليس في حياته عمل فني مدمر واحد!

لا أتفق معه إطلاقا، ليس شرطا أن نستعجل في نشر أعمالنا، ولكن المهم أن تكون محتوانا ذات جودة وقيمة يستحق أن القراءة له ولو بعد طال نشره.

ويحدث العكس عندما ننشر نصا يوميا قصيرا يحصل على تفاعل أكثر.

هذا يعني أن القارئ هو المتحكم في إعطاء اللقب للعمل الأدبي، وهذا ليس عدلا. فالكاتب وحده يعرف كمية الجهد الفكري وحتى البحثي والابداعي الذي وضعه في عمله والقارئ يصوت بناء على خلفيته وشعوره فقط.

لكل كاتب وفنان "المرحومة أخت زوجته" الخاصة به، لأننا لا نسير وفق نمط واحد بل نسعى للتطوير والتجديد في كل مرة، ولأن أساس عملنا ككُتّاب أو فنانين هو الإلهام والإبداع، لذا لابد أن يولد من بين مجموعة أعمالنا عمل مميز يكون هو الإجابة على السؤال التالي : "ما هو أفضل ما كتبته في مسيرتك حتى الآن ؟"، وبالطبع لا يمكن أن يظل هذا السؤال فارغاً لأن لكل كاتب إجابته الخاصة عليه ولكل قارئ لكاتب معين إجابة أيضاً .

وقد تتغير "المرحومة أخت زوجته" بمرور الزمن وتطور الكاتب، لمَ لا ؟ وقد تحصل على أكثر منها في حياتك إن كنت ناجحاً .

وأنتي دليلة .. ما هي أفضل كتاباتك على الإطلاق من وجهة نظرك ومن وجهة نظر قُرّائك ؟

وأنتي دليلة .. ما هي أفضل كتاباتك على الإطلاق من وجهة نظرك ومن وجهة نظر قُرّائك ؟

بالنسبة لي لم تولد "المرحومة أخت زوجته" حتى الآن، فأنا لازلت في بداية الطريق وربما ستكون موجودة قريبا من يدري!