مجتمع للمبدعين لمناقشة وتبادل الأفكار حول التدوين وصناعة المحتوى. ناقش استراتيجيات الكتابة، تحسين محركات البحث، وإنتاج المحتوى المرئي والمسموع. شارك أفكارك وأسئلتك، وتواصل مع كتّاب ومبدعين آخرين.
هل اللحية جوازٌ إلى الجنة؟ وهل الجلباب شهادةُ صلاح؟ وهل يمكن لثوبٍ أن يمنح صاحبه سلطةً على إيمان الآخرين؟
السؤال ليس عن اللحية ولا عن الحجاب؛ فلكلٍّ منهما مكانته وأحكامه في الإسلام، وإنما السؤال عن **تحويل المظهر الديني إلى صكّ تفوّق أخلاقي**، وكأن هيئة الإنسان تمنحه حقّ تصنيف الناس، والحكم على نواياهم، وتوزيع صكوك الجنة والنار.
نرى أحياناً من يتحدث باسم الدين بلهجةٍ قطعية، فيرى نفسه حارساً على أخلاق المجتمع، فيراقب لباس المرأة، وشكلها، وحتى لباس بناتها، بينما ينسى أن الدين لم يكن مشروعاً لتفتيش الناس، بل مشروعاً لإصلاح الإنسان من الداخل قبل الخارج.**فهل كل ملتحٍ أكثر تقوى؟ وهل كل متجلببة أكثر صلاحاً؟
بالطبع لا. كما أن غير الملتحي ليس بالضرورة بعيداً عن الدين، وغير المحجبة ليست بالضرورة فاسدة. **المظهر قد يكون علامة على التديّن، لكنه ليس جهازاً لقياس الضمير.**
والأخطر حين تتحول بعض الخطابات إلى تحميل المرأة مسؤولية انحراف الرجل. طفلة صغيرة لم تبلغ بعد، تُحمَّل أحياناً ما لا تحتمل، وكأن طفولتها مشروع اتهام، بينما السؤال الأهم يُهمل: **كيف ينظر رجل بالغ إلى طفلة صغيرة بنظرة شهوانية أصلاً؟**
المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن التحرش تقع على المتحرش، لا على الطفل الذي تعرض له.
ثم لماذا يصبح جسد المرأة هو الموضوع الدائم؟ لماذا نسمع عشرات المواعظ عن لباسها، بينما لا نسمع بالقدر نفسه عن **غضّ البصر، وضبط الشهوة، واحترام الحدود، وتجريم التحرش، وتربية الرجل على المسؤولية؟**
أليس من جوهر الرسالة النبوية أن يُبنى الإنسان على الرحمة والعدل وحسن الخلق؟
**فماذا تعلمنا من النبي محمد ﷺ إذا كان خطابنا الديني يجعل الناس يخافون من الدين بدلاً من أن يجدوا فيه السكينة؟**
المشكلة ليست في الدين، بل في **الوصاية حين تتنكر في ثياب التدين**. حين يتحول بعض المتحدثين إلى قضاة على الناس، وحين يصبح اللايف الديني منصةً للتشهير والفتوى العشوائية، وحين نجد من يتحدث عن عفة النساء ثم يتجاوز في حديثه حدود الأدب، أو يفتح مساحاتٍ مختلطة لساعات ثم ينصب نفسه حارساً على أخلاق الآخرين.
وهنا يجب أن نكون منصفين: **لا نعمّم**. هناك رجال ملتحون محترمون، ونساء متجلببات فاضلات، كما يوجد غير ذلك في كل فئة. فالخلل ليس في اللحية ولا في الجلباب، بل في الإنسان حين يجعل المظهر ستاراً يخفي خلفه تناقض السلوك.
الدين أعمق من طول اللحية، وأوسع من اتساع الجلباب، وأثقل من أن يُختزل في مراقبة النساء.
فإلى متى سنقيس التدين بما تراه العين، وننسى ما لا يراه إلا الله؟
وإلى متى يصبح **اللباس هو الواجهة، والأخلاق هي الهامش؟**
ربما أكثر ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الذين يخبرون الناس أنهم سيذهبون إلى النار، بل مزيداً من الذين يجعلون الناس يرون في الدين **رحمةً وعدلاً وتهذيباً للروح، لا
سوطاً اجتماعياً فوق رؤوسهم.**