يسمعون حسيسها .. من روائع أدب السجون

مراجعة رواية “يسمعون حسيسها” للروائي “أيمن العتوم”

في هذه الرواية قهرٌ كثير وشرٌّ مُستطير، وحديثٌ طويلٌ عن الحكّام أعداء الحرية والعدل، وزبانيّتهم الجلادين الذين لو دقّقوا النظر في طبيعتهم لوجدوا أنفسهم عاراً على الإنسانية جمعاء، وما وضعهم الحاكم الظالم على بابه واستأمنهم على حياته وكرسيّه إلا لثقته بأنهم أظلم منه وأشدّ جوراً..

تنتمي هذه الرواية إلى أدب السجون وفيها يُزجّ بالطبيب “إياد أسعد” في سجنٍ سيء السمعة في حقبة ثمانينيات القرن الماضي فيدوّن لنا يومياته ومعايشاته مع السّجانين الذين يستعملهم أسيادهم الأعلى رتبةً ككلاب الحراسة؛ يعينهم على ذلك أنّهم أصلاً من أسافل الناس وأراذلهم حيث لا اخلاق لهم ولا ذمة.

أرى أن يُغفل نقاش الرواية من الناحية الفنية والأدبية، وأن يُنظر إليها على أنها مذكرات سجينٍ فحسب، وربّما حرص الكاتب على تجريد روايته من فنون المدارس الأدبية، وجعلها ذاكرةً لحقبةٍ من الألم المضني الذي عايشه الآلاف من سجناء الرأي والمنادين بالحرية والمساواة.

في الرواية يصدع الطبيب “إياد أسعد وزملائه المعتقلين” بالأوامر، ويضّطرون لاكتتام رغبتهم بالعيش ويستقبلون الموت كل يوم، وربما كان الموت أمنيةً لهم أمام الألم المضني الذي لايفتر جرّاء التعذيب اليومي المستعر، والخوف الدائم من اختراع وسائل تعذيبٍ تقطع القلوب.

يحاول الكاتب غير مرّة لفت نظر القارئ إلى حقيقةٍ مجهولة؛ وهي أنّ الجبن يستولي على الظالم ويقصم الهلع ظهره خوفاً من أن تنتفض عند السجناء الرغبة بالبقاء أمام غائلة الظلم فيبيّتوا خطّةً للانتقام، فيأمر الظالم طغمته بتكبيل أيدي الأحرار الأباة وتصفيد أرجلهم وتعميش عيونهم غالب الوقت، وهكذا يمكث السجين في معتقله سنواتٍ طويلة وهو لايعرف شكل جلاده ولايرى جلدة وجهه! فإذا يئس السجين من إقبال سجّانه على الحق أو أن يمرّ به طيفٌ من رحمة، صار كل همّ هذا الحبيس ساعتئذٍ أن يلتقط أنفاسه لديمومة البقاء مع أملٍ نادرٍ بالخلاص.

شخصياً أحبّ أدب السجون وقرأت في هذا التصنيف الأدبي رواياتٍ كثيرة، أرى أنّ أجملها حتى الآن هذه الرواية وثلاث رواياتٍ أُُخَر هي (السجينة، غيابات الجب، القوقعة).

صدرت الرواية عام 2012 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت، وتقع في 365 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية صادمة، مؤثرة، لا أنصح بها لضعاف القلوب.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

صراحة حسين لم أقرأ هذه الرواية... حيث أفضل قراءة شعر السجون عن رواياته، فما كتبه أحمد فؤاد نجم، وعبد الرحمن الأبنودي مثلا بفترة سجنهما، أجد به مزيجا ممتعا من الواقعية الساخرة والتراجيديا المخففة، لكن الروايات وما بها من جرعات مكثفة من الواقعية الصادمة غالبا، فلا أميل لمطالعتها.

أتفهمك تماماً .. وأتفق معك بأن في شعر السجون جرعاتٍ ساخرة لا نجدها في الأدب الروائي ولذلك قلت في نهاية المراجعة أنّني لا أنصح بها لضعاف النفوس.. شكراً لك أماني.

بالرغم من اعتراضي على مفهوم التسميات والتصنيف في الأدب والشعر كما أشرت في تعليقي، فقد لفت نظري طرحك حول التجربة الشعرية المتعلّقة بفاهيم الاعتقال والسجن، وهذا حمّسني كي أتذكّر أحد التجارب الشعرية الرائعة التي قرأتها منذ فترة وجيزة في هذا السياق. كانت للشاعر الرائع محمد عفيفي مطر تحت عنوان احتفالات المومياء الموحشة. أرشحها لكِ يا أماني بما أنكِ تنجذبين لهذا السياق الشعري.

بالرغم من اعتراضي على مفهوم التسميات والتصنيف في الأدب والشعر..

أعتقد أن هذا التقليد ابتدعه قدامى المهتمين بالأدب؛ لتصنيف الأنواع الأدبية المتعددة بطريقة بسيطة يسهل تمييز الأعمال وفقا لها وتذكرها، مثل أدب الرحلات، وأدب المراسلات وغيره من المسميات.

محمد عفيفي مطر تحت عنواناحتفالات المومياء الموحشة. أرشحها لكِ يا أماني..

صراحة لم أقرأ لهذا الشاعر من قبل .. سأحاول الإطلاع عليها بأقرب فرصة.. شكرا لك يا علي

لم أقرأ الرواية يا صديقي للأسف، لكنني أود أن أسألك عن وجهة نظرك حول المسمّى الأدبي نفسه. ما رأيك في مفهوم "أدب السجون"؟ هل تشاركني الرأي نفسه بأن الأدب لا يسمّى؟ أم أنك تفضّل التصنيف والنوعية المحددة؟ عن نفسي، دائمًا ما أرفض المسمّيات المعنية بتصنيف الأدب على صعيد سطحي بالنسبة إليّ، مثل أدب السجون، والأدب النسوي.. إلخ، فما رأيك أنت في ذلك السلوك النقدي؟

التصنيف الأدبي ضرورة في بعض الحالات لأنه يدل على ثيمة العمل وإطاره العام مثل: أدب السجون، أدب الديستوبيا، المراسلات الأدبية.. وغيرها. لكنّني أرفض قطعاً التصنيفات "الجندرية" المبنية على جنس الكاتب ( الأدب النسوي مثالاً) أراه لا ينسجم ورسالة الأدب بالمطلق. أهلاً بك علي وتقبّل تحيتي.

لديّ بعض القراءات في هذا النوع من الكتابة، ولعل المشاعر الصادقة التي نلفيها في هذا النوع، مردُها أساسا إلى تحول السجن من حالة واقعية إلى حالة مجازية، يكتب من خلالها الكاتب بعمق، وكلما زادت حالة الانحصار والانقباض في النفس، بالنسبة للكاتب زادت حدّة مقاومته ولو بشكل أدبي.

أما إذا أردنا الخروج من السياق الأدبي، والنظر لهذه القضية من وجهة نظر واقعية، فأنا أضيف على الجبن والهلع والخوف الذين ذكرتهم، محاولة الطغاة إظهار قوتهم وتبيان تحكمهم في الأوضاع بأيّة طريقة.

أيمن العتوم موسوعة لغوية و أدبية ثمينة للغاية ، و يمتلك حساً قادراً على تحريك كل المشاعر الإنسانية في براعة مثيرة ، و لا شك أنه اتخذ من أدب السجون مضماراً له فأبدع فيه بشهادة كل قراءه ، رواية يسمعون حسيسها لم أقرأها بصراحة و لكنني شاهدت سلسلة فيديوهات في اليوتيوب تروي القصة ، و أشعر أنني مترددة قليلاً في اقتنائها لأنني أعلم مدى عمق المشاعر المؤلمة و المظاهر الموجعة التي خطها قلم أيمن العتوم في الكتاب و القادرة على إلقائي في بئر من الإكتئاب و الشجن كما أقرّ معظم قارئي الرواية .

 فإذا يئس السجين من إقبال سجّانه على الحق أو أن يمرّ به طيفٌ من رحمة، صار كل همّ هذا الحبيس ساعتئذٍ أن يلتقط أنفاسه لديمومة البقاء مع أملٍ نادرٍ بالخلاص.

بالفعل هذا ما يطمح إليه هؤلاء الشرذمة ، و هو إيصال ذلك السجين إلى حد من اليأس يجعل من يصل إليه يفقد دافعه للحياة و يتخلى عن نفسه ، فمن يصل إلى تلك المرحلة مات قلبه و جسده في الطريق ما زال يتهالك .

يعترف العتوم في بعض مقابلاته أن هذه الرواية أخذت من تعبه وجهده أكثر من أي عملٍ آخر، وعندما قرأت الرواية عرفت مردّ ذلك.. شكراً لك تقوى.

المساحة الضيقة

كلما أطلت بأشعتها الباردة أيقنت أنها تودعني، فشعاعها يأتيني حين تتسلق خلسة من أعلى فتحة صغيرة لتلصق ضوءً على ذاك الحائط الذي تتكون منه المساحة الضيقة، كنت أرحب بالشمس وبشعاعها، أمد يدي لألمسه وبل أترك كف يدي يستحم بهذا النور ليسري في بقية جسدي، حتى يغادرني بصمت وكأني أسمع همسه ودعوات اللقاء.

د.مازن صافي

نعم، في أدب السجون ألماً حقيقياً يبلغ قرّاءه بكل تفاصيله، وعليه لا أرى أن يقرأه من لا يمتلك الجرأة الكافية للخوض في هذه التفاصيل.. شكراً لك.