لماذا يعيش السطحيون أسعد من الأذكياء؟

أصبحت أرى أن الذكاء، خاصة الذكاء الاجتماعي، ليس هبة كما يُقال دائمًا، بل قد يتحول أحيانًا إلى لعنة على صاحبه. فالإنسان الذي يلاحظ التفاصيل الصغيرة ويقرأ ما وراء الكلمات لا يعيش الحياة ببساطة كما يعيشها الآخرون. هو يسمع الجملة نفسها التي يسمعها الجميع، لكنه يلتقط نبرة الصوت، وتردد المتكلم، والنظرة السريعة التي مرت دون أن ينتبه لها أحد.

يظهر ذلك في مواقف يومية بسيطة. في جلسة عادية مثلًا، قد يقول أحدهم مجاملة لطيفة، ويبتسم الجميع وينتهي الأمر. لكن الشخص شديد الملاحظة قد يشعر أن المجاملة ليست صادقة، أو أن وراءها قدرًا من السخرية. ينصرف الآخرون عن الموقف ويكملون يومهم بشكل طبيعي، يظل هو يفكر: ماذا قصد؟ ولماذا قالها بهذه الطريقة؟ ومع تكرار هذه التفاصيل الصغيرة يتحول الأمر إلى حالة من التحليل المستمر.

وفي المقابل، يبدو أن الأشخاص الأكثر بساطة أو ما يمكن تسميته بالغباء الاجتماعي يعيشون بقدر أكبر من الراحة. هم لا يفتشون في النوايا، ولا يحللون كل كلمة قيلت لهم. قد يسمعون الجملة كما هي، يبتسمون، وينتهى الأمر. بعضهم ربما يفعل ذلك بطبيعته، وبعضهم ربما تعلم أن يتجاهل التفاصيل عن قصد. في الحالتين، تبدو حياتهم أخف وأقل تعقيدًا.

لهذا بدأت ألاحظ أن السعادة والاستقرار النفسي قد يكونان أحيانًا نصيب من يملكون قدرة أقل على رؤية كل شيء بوضوح. فالفهم الزائد، وقوة الملاحظة، قد يقودان الإنسان إلى نوع من الاغتراب الهادئ. لا لأنه يكره الناس، بل لأنه يرى ما لا يراه الآخرون، ويفكر في ما يمر عليه غيره مرورًا سريعًا. ومع الوقت قد يشعر أن المشاركة في المجتمع أصبحت مرهقة أكثر مما هي ممتعة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

يعني الموضوع ملاحظة كل وأي شيء هو حساسية زائدة عن الطبيعي، وعلى عكس ما يُقال عن أن الشخصية الحساسة يصعب التعامل معها لأنها عاطفية جدًا وغير ذلك، فالحقيقة أن الحساسية تعني تفكير مفرط في كل شيء، عقلاني أو عاطفي، وهذا كما ذكرتي فعلًا يرهق صاحبه عن الشخص العادي الذي لا يهتم للتفاصيل ولا يفكر فيها، ولكنه أيضًا يساعده على فهم مشاعر الآخرين وأفكارهم بطريقة غير تحيزية لأنه يستطيع فهم الناس بسبب قدراته. طبعًا هناك بعض الجوانب للحساسية التي تكون بسبب عدم النضج فيصعب هنا التعامل بعفوية مع صاحبها لأنه دائمًا يفهم المعاني بطريقة خاطئة، ولكن بصراحة أتفق معكِ في موضوع أن الشخص السطحي عمومًا لا يهتم لأنه لا يعي معظم الأشياء، لذلك لا يرهقه التفكير.

كشخص يعاني من الحساسية المفرطة فلا اراها ميزة؛ فهي تجعلك مهتمة بشكل مبالغ فيه بالتفاصيل الصغيرة ويؤثر ذلك علينا لو طلب منا اتخاذ قرار سريع. ومؤخرا اصبحت افكر اني ربما انا ابالغ في تفسير نوايا الناس أو تخيل مشاكل غير موجودة.

يقول دوستويفسكي على لسان بطله في رواية في قبوي " أن الإنسان الذكي حقا لا يمكن بأى شكل من الأشكال أن ينجح" و يقول في موضع آخر " أقسم لكم بأغلظ الإيمان أن كثرة الإدراك مرض" و يعني أنه كلما زاد ذكاء الإنسان كلما زادت قدرته على رؤية المصاعب و المعوقات . و يقول المخرج عمر سلامة أن من شروط النجاح أن تمتلك شئ من السذاجة أو "الهبل "

هذا بالظبط ما افكر فيه رؤيه الامور بشكل شامل احيانا مزعجه جدا واحيانا تعطل التفكير المنطقي، لكن الاهم ان هناك بعض الاشخاص يستطيعون افتعال واصطناع هذه السذاجه الان، ويحققون من ورائها نفس المكاسب تقريبا.

Design_Writer أضف ردا

يقال التغافل نصف العقل ✨

في السلوكيات والعلاقات التغافل خلق عظيم يعزز العلاقات ويحافظ عليها، اما التغافل عن الفهم والحقوق مثلا اظن انه لا يستطيع الجميع ابدا فعل ذلك، انا مثلا اري هذا مستحيلا.

ليس كل من يبدو بسيطا سعيدا، ولا كل ذكي تعيس. أحيانا ما تسميه سطحية هو في الحقيقة مهارة نفسية اسمها تجاهل غير المهم.

الفرق ليس في القدرة على الفهم، بل في القدرة على إيقاف التحليل عند حد معين.

الفكرة ليست أن الذكاء لعنة، بل أن الإفراط في استخدامه في كل موقف هو المشكلة.

أحيانا أبسط أشكال الحكمة هو أن تفهم، ثم تختار ألا تغوص أكثر.

شخصيا أعتقد أنني من هؤلاء الأشخاص الذين لا يركزون في التفاصيل الصغيرة ولا يتمتعون بقدر كبير من الذكاء الاجتماعي، لكن سبب ذلك بالنسبة لي على الأقل هو أنني لا أملك الطاقة لأقوم بتحليل كل محادثة وكل جملة اسمعها، فأتجاهل التفاصيل وآخذ بالظاهر والأمر بالنسبة لي مريح جدا