في الصفحات الأولى من كتاب "قصة الفلسفة" التي يوضح فيها المؤرخ والفيلسوف العظيم "ويل ديورانت" نشأة الفلسفة الفعلية، حيث تبلورت الفلسفة ونشأت كعلم قائم، في اليونان القديمة، ولكن المثير للإنتباه هو خطوات نشأة الفلسفة ومراحلها، حيث ساعد موقع أثينا الجعرافي، كونها البوابة التي تصل بين أوروبا عامة واليونان خاصة بدول آسيا الصغرى، كذلك إمتلاكها أسطول بحري تم تحويله بعد الحرب اليونانية مع الفرس إلى أسطول تجاري، مما أدى إلى نشاط تجاري بين اليونان وبين دول آسيا، مما أدى إلى إزدهار إقتصادي في أثينا على خلاف إسبارطة التي عانت من ضيق إقتصادي بعد الحرب وقامت بتسريح جيوشها وإنغلقت لتتخلف إلى مدينة زراعية.

النشاط والحركة التجارية في اليونان خلقوا حالة إجتماعية تجلت في حلقات وتجمعات الحديث والمناقشة بين التجار وبعضهم وبين العوام، وللتجار هنا أثر بالغ، حيث أن التاجر بدوره كان قديمًا يجول العالم ناشرًا تجارته في مختلف المدن، وكانت تلك الرحلات تعرضه إلى التعرف على الكثير من عادات وتقاليد وعقائد ومذاهب الشعوب، ما أدى إلى خلق حصيلة معرفية قوية لدى التجار، ويذكر هنا "ويل ديورانت" قولًا أقتبسه:

"عندما يقدم لنا ألف عقيدة يساورنا الشك في جميع هذه العقائد، أو بعبارة أوضح فإن كثرة المذاهب والعقائد يولد الشك فيها جميعًا"

وهذا الشك لدى التجار، يمكن إعتباره بذرة نشوء الفلسفة، حيث أن المرء طالما شك في أمرٍ ما، سوف يقوم بالسؤال عنه والإستجواب لمدعيه، وهنا يكون المدعي بصدد قولين، إما قول يقين يقطع الشك، إما قول ضعيف ينتصر عليه الشك.

إن الشك هو بذرة الفلسفة والسؤال هو الماء الذي يرويها، وكان هذا ما فعله التجار، فقد بدأوا بالتساؤل حول كل ما يسمعون، ولأنهم كما يذكر "ديورانت" لهم عادة مكتسبة في تقسيم الناس إلى أوغاد وحمقى، فكانوا يرون دائمًا أنهم أضعف من البرهنة وإيتاء الحجة التي تقطع شكهم وتدحض تساؤلاتهم وإستجوابتهم.

آل الفكر عند التجار إلى التطور بتطور الحياة تدريجيًا بعد النشاط الذهني والفكري المتولد لديهم، ما أوضح أن الفكر نفسه تطور، وتطور مع ذلك بعض العلوم، مثل الحساب الذي تطور بزيادة تعقيد العمليات التجارية، وعلم الفلك بزيادة تطور الأخطار الملاحية، ومن هنا ننتقل من نشوء الشك عند التجار إلى نشوء السؤال والبحث والتقصي عند الفلكيين.

لم يكن الفلكيين يسألون النجوم عن الملاحة والفلك وحسب، وإنما بدأوا -أو كما ذكر "ديورانت" جرؤوا- سؤال النجوم عن ألغاز الكون، وأسرار الحياة، وكما هو منطقي فإن الرواج التجاري والإقتصادي لأثينا، أدى بدوره إلى تزايد الثروات ما جعل الناس ينعمون بالرخاء والراحة، وذلك أتاح لهم مجالًا للتفكير والتأمل، وبالعودة لدور الفلكيين، فقد بدأوا يبحثون ويستقصون الأمر بالسؤال عن كل الظواهر والحوادث التي كانت تفسر فيما قبل على أنها خوارق ومعجزات وطقوس دينية، وبدأوا بجلب المعرفة من شتى البلدان، باحثين سائلين عن كل تلك الظواهر في الكون.

أقتبس هنا قول "ديورانت" كخاتمة البداية والنشأة:

"وأفسح السحر والخرافات والطقوس الدينية طريقًا للعلم، وبدأت الفلسفة"